
رئيس المركز الإسلامي للبحوث والدراسات القرآنية في لبنان "أ.د. فرح موسى"
لقد قالها النبي موسى(ع) صادعاً بها آذان كل زمان ومكان: "بئسما خلفتموني من بعدي…."
لا شك في أنه يستقر في قلوب الناس وعقولهم أن ما جاء به الأنبياء(عليهم السلام) يتضمن دعوة جوهرية إلى المثول أمام أمر الله ونهيه في الدنيا, ليكونوا على سلامة في المسار والمصير بحيث تكون لهم النجاة في يوم العرض على الله تعالى، وقد جاءت الرسالات السماوية بما فيه معتبر ومزدجر، فقالت: "يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون. ويوم نبعث من كل أمة شهيدًا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون". فإذا كانت الأمم التي خصّها الله بالنبوات والرسالات تعرف نعم الله تعالى؛ فلماذا هي على هذا التنوع من البلاءات في الدين والدنيا؟
فالكلام ليس بخصوص أمة من الأمم، وإنما هو في الرؤية العامة التي يقدّمها
القرآن الکریم في توصيف حالة الأمم والشعوب في ما تكون عليه من نكران للحق بل للنعمة الإلهية! فهم لا ينكرون نعم الطعام والشراب، ولا أن ما يرمي إليه القرآن من التنكر للنعم هو هذا، لأن الله لا يسأل عن هذا أبدًا، وحاشا لله كما يقول الإمام موسى الصدر عن أن يسأل عباده عن ذلك! فالله سائلهم عن النعم التي تكون لهم بها الحياة في الدنيا والآخرة،كما قال تعالى:"استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم.."، وقوله تعالى:"ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ."
ناظر آلى ما فرطت به في جنب الله، واستحقت به الحشر إلى جهنم! أما أن يحشر الناس الى جهنم بما تنكروا له من نعم الطعام والشراب، فهذا مما لا يليق بكرم الله ورحمته وسعة جوده، فهذا مما لا يسأل عنه إنس ولا جان، فضلاً عن أن يسأل عنه الحيوان! إن خلاصة الموقف تكمن في أن الرسالات السماوية وعظت الأمم بأنها لم تترك لنفسها، ومثلما هي خصت بالهداية والرعاية والشهادة في الدنيا، وعظت بأن لها مثل ذلك في يوم حسابها، فقال تعالى في سورة النحل مكررًا لمعنى الشهادة: "ويوم نبعث في كل أمة شهيدًا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدًا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدًى ورحمة وبشرى للمسلمين".
فالأمم لم تترك لمصيرها، ولابد أن يكون مشهود عليها ببعث من جنسها وبلسانها لإخراجها من الظلمات وهدايتها الى ما يكون لها به الخلاص والنجاة، ولهذا لم تتنكر الأمم تاريخيًا لرسالات السماء رغم كل ما كابده الأنبياء في سبيل الدعوة الى الله تعالى؛ فإذا كانت الأمم قد عرفت هذه النعم، في الهداية والرعاية والولاية، فلماذا كانت دائماً تعقد السقائف(جمع سقيفة) للانقلاب على الأعقاب لا عن نبيها وحسب وإنما عن دينها! وهذا ما سماه القرآن وقبله الإنجيل والتوراة بالكفر،لأنه كان بمثابة التنكر لأمر الله ونهيه في ما أمر به من طاعة وولاء لمن خصهم بالولاية والاصطفاء والسلام،كما قال تعالى: "وسلام على عباده الذين اصطفى."
فما بال الأمم إذاً تبحث عن خلاصها في ما دبرته لنفسها من مكائد، واصطنعته لدينها من فرق ومذاهب ما أنزل الله بها من سلطان!؟ لقد أوحى الله في كل سماء أمرها، متوعدًا على التنكر لنعمة دينه، ومؤكدًا على استمرار الشهادة على الأمم، وحيث يغيب الشهيد ولا يكون حاضرًا تكون الأمة، أي أمة، عرضة لأنواع من البلاء، تماماً كما هو حال الأمم في عصرنا الحاضر لجهة ما هي عليه من غيبوبة عن أمر دينها، فلا يقال إن الله تعالى قد غيّب الشهادة عن الأمة!
بل يقال إن الأمة هي التي غيّبت شهيدها بالانقلاب والنكران لما خصت به من النعمة! فلو أن الأمة كانت لديها قابلية الوعظ والإرشاد والهداية لما كانت الحجة الإلهية مغيبة عن الفعل والحكم؛بدليل أن الله تعالى جعل رسالته الخاتمة تبيانًا لكل شيء وهدًى ورحمة وبشرى.
وهنا السؤال ،هل الأمة الإسلامية مثلًا بكل ما تزخر به من علماء عندها إمكانية التوفر على مثل ذلك من البيان والتبيان لكي تكون بديلًا عن حجة الله في أرضه!؟ إن أكثر ما يخشى منه أن تكون هذه الأمة تنكرت ليس لحجة الله وحسب، وإنما لكتاب الله الذي أصبح مهجورًا لدرجة الضياع والاستبدال!
فإذا كانت الأمم قد تسببت بغياب شهيدها عن دائرة الفعلية والحكم في الدنيا،فلن يكون لها في الآخرة مفازة في ذلك،لأن الله سيبعث على كل أمة شهيدها،فيكون شاهدًا عليها ولا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون،!فإذا قلتم متسائلين، فما هو مآل الأمم والشعوب التي غيّبت إمام زمانها وتنكرت لإمامته،ولم تستعد لنصرته؟ قلنا:لقد سبق للأمة المسيحية أن هجرت خطاب نبيها لتنقسم على نفسها،فرقًا ومذاهب وأحزابًا،وجاءت من بعدها الأمة الإسلامية مقلدةً لها في كل تحولاتها،وكانت النتائج ما خلصت إليه الأمم من حزبية وفحشاء ومنكر على أخطر ما تكون عليه تحولات الوجود من نكران وعبثية!
فلم تكن الرسالات كما أرادها الله تعالى هدًى ورحمة وبشرى لشعوبها، وغدًا يأتي الشهيد حاكمًا عليها بالكفر، لأن المعرفة بنعم الله تعالى تستتبع خلاصًا للشعوب وهداية لها! أما أن تؤول مقاليد الأمور الى المفسدين في الوقت الذي تعلو فيه أصوات المآذن وأجراس الكنائس، فهذا مما لايستوعبه عاقل في الدنيا، فكيف يمكن أن يستتعب صاحبه يوم يبعث شهيد الحق،يوم لا يخفف العذاب عمن تنكر لنعم الله تعالى،ذالكم هو معنى أن يبعث الشيهد من أنفسهم ليكون أكثر حجية عليهم،وأكثر معقولية لديهم!
وهكذا، فإن كل من تسبب بغياب حجته وإمام زمانه، فلا بد أن تكون له عقوبته فيبعث على وجهه كما هو حال كل من يدّعي الإيمان وليس به،فإمام الزمان لم يجعل خليفة ليغيب عن عالمه وأمته،فإذا كانت الأمة هي المتسببة في غيبته فلا ينتظر أن يكون لهذه الأمة من بعثته رحمة وهداية وبشرى،لأن الله تعالى جعل ذلك كله مخصوصًا بأهل ولايته ممن عقلوا عنه في الدين والدنيا،وسمعوا لنداء الحق في العمل لحضوره ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملئت ظلمًا وجوراً...والسلام.