
بقلم الخبير العراقي في الشؤون السياسية والدولية "سبطين الجبوري"
مقدمة: وهم الحسم وانكسار غطرسة القوة
أثبتت التطورات الميدانية الأخيرة في
جنوب لبنان أن حسابات الاحتلال الصهيوني تقديرية وبعيدة عن الواقع؛ فبينما كان يسعى عبر آلة القتل والدمار والتهويل الدبلوماسي إلى فرض معادلات جديدة تكسر شوكة المقاومة، جاء الرد الميداني لحزب الله ليؤكد صلابة البنية القتالية واستمرارية منظومة القيادة والسيطرة بجهوزية تامة.
إن الصمود الأسطوري الذي يسطره رجال المقاومة اليوم يعيد ترتيب أوراق الصراع الإقليمي، ويثبت أن "بيئة المقاومة" لا تنكسر أمام خروقات الاتفاقات السياسية.
أولاً: الهدنة الهشة والصدمة التكتيكية للاحتلال
رغم إعلان التفاهمات السياسية والهدنة، واصلت القوات الصهيونية خروقاتها الممنهجة ضد القرى والمدنيين في الجنوب، ظناً منها أن المقاومة قد كُبّلت يدها أو فقدت زمام المبادرة. وجاءت الإجابة سريعة وصادمة عبر عمليات نوعية وضربات موجعة:
ضربات الكشف عن العجز: نجحت المقاومة في مباغتة تجمعات ونقاط تمركز قوات الاحتلال الاسرائيلي التي حاولت تثبيت مواقعها في مرحلة ما بعد الهدنة.
الحصيلة البشرية القاسية: اعترفت الدوائر الأمنية ووسائل إعلام العدو (رغم الرقابة العسكرية الصارمة) بمقتل ما لا يقل عن 18 عسكرياً صهيونياً في كمائن محكمة واستهدافات مباشرة نفذتها مجموعات المقاومة رداً على الاستفزازات والخروقات، مما شكل صدمة نفسية وعسكرية للمستويين القيادي والشعبي داخل الكيان.
ثانياً: "تدمير الميركافا" وتحطيم إيقونة السلاح البري الصهيوني
تجري في محاور الجنوب حالياً، وتحديداً في محيط بلدات يحمر الشقيف، زوطر الشرقية، والخيام، معارك برية شرسة تُدار بنفس مقاوم عبقري يستنزف قدرات العدو؛ حيث تحولت دبابات "الميركافا" التي يتفاخر بها جيش الاحتلال كحصن تكنولوجي، إلى توابيت متفحمة.
الأسلحة الموجهة والمسيّرات الانقضاضية: يتبع مقاتلو حزب الله تكتيكات هجومية مركبة تعتمد على الصواريخ الموجهة بدقة والمسيّرات الانقضاضية (مثل مسيّرات أبابيل)، نجحت خلال الساعات الماضية في اصطياد وتدمير الدبابات والآليات المتقدمة بشكل كامل.
إسقاط الدفاعات: لم يقتصر الأمر على الدبابات، بل امتدت ذراع المقاومة الطولى لتدمير وإسقاط منصات "القبة الحديدية" (اللانشر) في نقاط متقدمة مثل الخيام، مما كشف هشاشة الخطط البرية والجوية للعدو.
ثالثاً: الأبعاد الاستراتيجية للصمود الحالي (قراءة سردية)
إن الصمود الميداني الراهن يحمل دلالات استراتيجية كبرى تتجاوز الحدود الجغرافية المباشرة للمعركة، ويمكن تفكيك أبعادها على النحو التالي:
تثبيت معادلة العمق والمستوطنات: نجحت المقاومة في فرض معادلة ردع حاسمة تؤكد أن أي اعتداء على العمق اللبناني أو القرى الجنوبية يقابله شلل تام وشامل في مستوطنات الشمال، مما يرسخ أزمة النزوح الصهيوني ويجعل عودتهم مستحيلة دون الرضوخ لشروط المقاومة.
إسقاط التفوق البري النوعي: إن تدمير الآليات من مسافات صفرية ومتوسطة أسقط الهيبة العسكرية لسلاح المدرعات الصهيوني، وأجبر القوات البرية المتقدمة على الارتداد والتراجع في عدة محاور (مثل التراجع المشهود من رشاف نحو حداثا) بعد عجزها عن تثبيت مواقعها.
إحباط مخططات العزل ونزع السلاح: يثبت التدفق اللوجستي والجهوزية البشرية العالية أن مخزون المقاومة التسليحي لم يتأثر بالحرب، مما يفشل المخطط الأمريكي-الصهيوني المشترك الذي كان يهدف إلى عزل لبنان سياسياً وجغرافياً وتجريده من قوته الدفاعية.
الخلاصة
إن المشهد الميداني الحالي في جنوب لبنان يبعث برسالة واضحة لكافة الأطراف الدولية والمحلية: إن الرهان على إضعاف حزب الله أو فرض شروط الاستسلام عليه هو رهان خاسر.
فالمقاومة، بروحها الجهادية الراسخة وقدراتها المتجددة، تقود المعركة بعقل استراتيجي بارد ويد ضاربة، وتؤكد بألسنة اللهب المتصاعدة من دبابات "الميركافا" ودماء النخبة الصهيونية المهدورة في كمائن الجنوب، أن القرار الأول والأخير يكتبه الميدان، وأن زمن الاستفراد بشعوب المنطقة قد ولى إلى غير رجعة.