ایکنا

IQNA

لبنان بين الخطأ التاريخي والفائض الجغرافي

12:49 - June 07, 2026
رمز الخبر: 3505012

بقلم  ⁠أ. د .فرح موسى: رئيس المركز الإسلامي للدراسات القرآنية في لبنان

 ⁠إن لبنان المجد والتاريخ كان وسيبقى زينة البلدان، وروح الإنسان في ما كان له من تجوهر في الوجود، وتجاوز للحدود، إذ لا نقاش ولا شكوك في ما حق للبنان في التاريخ والجغرافيا، ولكنّ أهل السياسة، وعلى رأسهم" كيسنجر"، شاؤوا توصيف هذا البلد بالخطأ التاريخي، وأرادوا إخراج لبنان من حقيقته، ليجعلوا منه فائضًا في الجغرافيا، وليحدثوا من خلال ذلك تحولات تخدم أطماعهم!

 أما حقيقة لبنان، فهي تتجاوز الجبل الأبيض، وطيب الحياة، وقلب الرب، ليكون بلدًا متسعًا لكل التاريخ والجغرافيا، ويبقى السؤال، لماذا وصّف لبنان بالخطأ والفائض وغير ذلك مما لا يليق به من أوصاف أهل السياسة؟ سؤال تبقى الإجابةُ عليه رهن مَن تعاقبوا على حكم هذا البلد، فهم الذين أوردوا لبنان هذا المورد، وجعلوا منه رهينةً للسياسات القاهرة من كل اتجاه!

فالوجود اللبناني، في تنوعه الحقيقي، هو تجلٍ حقيقي لما شاءه الله تعالى له من وجود متميز، فهو انعكاس لحقيقة التنوع الكوني المشهود لنا في التكوين والتشريع! فماذا أراد أهل السياسة حتى يدمّروا هذا النموذج اللبناني، ليعطوا انطباع المصداقية على ما اختاره له أقزام السياسة من توصيف؟

لقد شوّهت السياسة اللبنانية المتعاقبة معنى التنوع اللبناني، وجعلت من الكينونة اللبنانية ارتهانًا خارجيًا بما اختارته من وصايات متعاقبة، كان لها أكبر الأثر في إخراج لبنان من ذاته، ليكون ملحقًا بالغرب، ومشوّهًا في دلالاته الوجودية!

فالطائفية، كما يقول الإمام موسى الصدر، ليست شرًا، وإنما هي نعمة تُغني لبنان في تجوهره، وتعطيه بعده الإنساني في واقع كونه وطنًا يستجمع كافة مقومات الوجود، فإذا بالسياسة التابعة تمنع من هذا التحقق الوطني، وتلحق لبنان بالخارج، ليكون له بدائل في التاريخ والجغرافيا، وليس من عبث أن تنهج السياسات الاستعمارية منهج تحويل لبنان إلى فائض جغرافي لإيجاد الحلول لأزمات الشرق الأوسط!

نعم، لقد دمّرت السياسة اللبنانية النموذج اللبناني، وجعلت منه كمًا طائفيًا مبعثرًا ، ومجموعة أفراد سائبة في خضم التحولات العالمية! ومَن أراد تحققًا من ذلك، فما عليه إلا قراءة الواقع اللبناني منذ تأسيسه، فلا تكاد تجد إلا حالات مرتهنة، ووصايات مؤكدة، منعت النموذج اللبناني من التحول، ليكون شعبًا وأمةً تستحق الفرادة في التاريخ والجغرافيا.

إنها الحقيقة التي لا ينكرها إلا جاهل، ولا يتعامى عنها إلا مكابر، فلينظر اللبناني إلى طريقة عمل أسياده ومستعبديه في الحزب والطائفة، بل في الدين والدنيا، فهل يجد إلا ضيقًا لبنانيًا لا يتسع لشيء من الوطنية، فضلًا عن المواطنية! إن من معاني اللبنانية الحقة، أن يتعرّف اللبناني إلى مَن يعاديه في نموذجه الفريد في ما يحيط به من أعداء وأصدقاء، وأن يمعن النظر جيدًا في مآلات السياسة اللبنانية المتعاقبة والمتصادمة على نحو لا مثيل له! وهي السياسة التي كانت وما تزال سببًا لكل توصيف هجين يخرج من دوائر القرار العالمي.

هذه هي حقيقة الموقف، الذي ينبغي تدبّره جيدًا،إذ لم يعد مجديًا التكاذب في الشأنية اللبنانية، التي تحوّلت عن واقعها، لتكون بوقًا طائفيًا ودينيًا يتناغم مع العدو ضد كل مَن يفترض به أن يكون عضدًا له في الوطن.

فلا يلومنّ أحدٌ مقولة الخطأ التاريخي، طالما أن المسؤول اللبناني، هو نتاج هذا الخطأ وتعبير عنه! فالعدو جاثم على الأرض، يقتل، ويدمّر، ويمعن في صلافته لتقسيم لبنان، ثم تجد المسؤول اللبناني يناكف شعبه، ويتهم مَن كان سببًا في سلطته ووجوده!

فيا له من تعبير عجيب في انتخاب السلطة بكل أصولها وفروعها، فهي لا تكاد تمسك بزمام المبادرة حتى تراها قد انقلبت على ذاتها، واستغنت عن مواطنيها، ولاذت بكل هجين في الدين والسياسة!

ذلكم هو معنى أن يكون لبنان في دائرة الخطأ التاريخي، أن تساعد أعداء لبنان، ليكون أهله على تناقضات كبيرة في اختياراتهم الوجودية. فالمطلوب من الشعب اللبناني، إن كان قد تحقق له شيء من ذلك، أن يختار وجوده في الجانب الصحيح من التاريخ، حتى لا تصدق بحقه توصيفات الأعداء، ويخرج عن كونه وطنًا نهائيًا، ليكون بديًلا للآخرين في ما يبحث عنه من فائض جغرافي لشعوب أخرى!

captcha