
بقلم الكاتب والباحث الایراني في الفقه وحقوق البيئة "الشيخ سلمان بهجتي أردكاني"
إنّ التنوع البيولوجي يشير إلى تنوع أشكال الحياة المختلفة على الأرض. ويتضمن هذا المفهوم ثلاثة مستويات رئيسية: التنوع الجيني، وتنوع الأنواع، وتنوع النظم البيئية(الإيكولوجية).
ويشير التنوع الجيني إلى الاختلافات في الجينات والحمض النووي الأنواع. ويشير تنوع الأنواع إلى عدد ووفرة الأنواع المختلفة في منطقة ما. أما تنوع النظم البيئية فيشير إلى تنوع الموائل والمجتمعات البيولوجية في منطقة محددة.
أهمية التنوع البيولوجي
ويُعدّ هذا التنوع نتاج مليارات السنين من الحياة واستمرارية تكاثر الكائنات الحية، وهو بمثابة ضمانة طبيعية للحفاظ على التوازن البيئي. يؤثر كل مستوى من مستويات التنوع بدوره على المستويات الأخرى، مما يخلق توازنًا في الطبيعة ويحقق فائدة للجميع.
إن التنوع البيولوجي مهم للبشر من عدة جوانب مثل: المساعدة في توفير مصادر غذائية متنوعة ومستدامة، واستخلاص الأدوية من مصادر حيوانية ونباتية مختلفة، والمساهمة في تطوير بعض العلوم كالطب، والمساعدة في الدورات الطبيعية مثل تلقيح النباتات وتخصيبها وتحلل المواد العضوية في الطبيعة، والوقاية من تغير المناخ عن طريق امتصاص ثاني أكسيد الكربون بواسطة الأنواع النباتية والحيوانية المختلفة والكثيرة، المساعدة في استدامة النظم البيئية الطبيعية وتقليل قابليتها للتأثر بالتغيرات البيئية.
النبي نوح(ع)، مكلف بحفظ الأنواع البيولوجية
من الواضح أن القضايا المتعلقة بالنبي نوح (عليه السلام) تحتوي على دروس ومعارف كثيرة للبشر؛ لكن هذا المقال يهدف إلى التركيز على قضية التنوع البيولوجي في أفعال هذا النبي الإلهي، وبالتالي لا يتناول تعاليمه الأخرى. تلقى النبي نوح (عليه السلام) قبل وقوع العذاب على شكل أمطار وفيضان كبير ومدمر، أمرًا للحفاظ على الكائنات الحية، بأن يأخذ من كل حيوان زوجين (ذكر وأنثى) إلى السفينة. كان هذا الأمر يهدف إلى الحفاظ على التنوع البيولوجي وبقاء النسل.
ووفقًا لبعض الروايات، أخذ النبي نوح(ع) معه أشجارًا إلى السفينة بالإضافة إلى الحيوانات. (روح المعاني، الألوسي، المجلد 6، ص 251). هذا يتوافق مع التعبير القرآني "مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ" مع الأخذ في الاعتبار أن الزوجية والذكورة والأنوثة لا تقتصر على الحيوانات؛ أي أن النبي نوح(ع) كلف بأخذ زوجين من كل كائن إلى السفينة؛ سواء كان هذا الكائن حيوانًا أو نباتًا. على أي حال، يستفاد من هذه الآية أولاً أن نسل الحيوانات يجب أن يحفظ؛ وثانيًا، يجب حماية تنوع وتعدد الأنواع النباتية قدر الإمكان.
نقل الحشرات إلى سفينة نوح
في أحد التفاسير (الألوسي، روح المعاني، المجلد 6، ص 251)، ورد في حديث أن النبي نوحًا(عليه السلام) قد بنى السفينة على ثلاث طبقات. طبقة مخصصة للحيوانات البرية والوحوش والحشرات، وطبقة أخرى مخصصة للبهائم والمواشي، وطبقة أخرى مخصصة له ولأصحابه وللطعام والأدوات. إذن، بُنيت طبقتان من الطبقات الثلاث للسفينة بهدف حماية حق الحيوانات في الحياة.
نظراً للتواجد الدائم للمسلمين من مختلف أنحاء العالم في مكة لأداء فريضة الحج والعمرة، وما يرتبط بها من المناسك، فإن حرمة أي نوع من الصيد أو الإضرار بالنباتات في تلك المنطقة (وفقًا للضوابط والأحكام التي ذكرها الفقهاء) هي تدبير إلهي وحكيم بيئي يهدف إلى الحفاظ على البيئة ورعاية النباتات والحيوانات. إن النظر في مثل هذا الإجراء الحكيم يقودنا إلى النقطة الأساسية وهي أن حماية التنوع البيولوجي في المناطق المكتظة بالسكان والطرق المزدحمة والأماكن التي يرتادها الناس بكثرة يجب أن تكون أكثر تنوعًا وأن تكون مصحوبة بقوانين صارمة، وذلك لمنع التعدي على حق الحياة والحقوق الأخرى للكائنات الحية في تلك المناطق.