ایکنا

IQNA

نهضة الحسين (ع) مواقف وقِيَم / 1

عالمية القيم التي حملتها النهضة الحسينية

9:40 - June 16, 2026
رمز الخبر: 3505126

بقلم الباحث اللبناني في الدراسات الدينية "السيد بلال وهبي"

"اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَوْلادِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَصْحابِ الْحُسَيْنِ"
 
يبدأ الشيعة مساء اليوم بإحياء مجالس عاشوراء، تلك المجالس الشريفة التي تخلِّد النهضة الحسينية، تلك النهضة الربانية التغييرية الممتدة عبر الزمان والمكان، والتي لم تخبُ جذوتها ولا تُطفَأ، وقد أخبر الرسول الأعظم (ص) بذلك حين قال: "إِنَّ لِقَتْلِ الحُسَيْنِ حَرارَة في قُلُوبِ المُؤْمِنِيْنَ لَنْ تَبْرُدَ أَبَدًا" فلم تزل نهضة حيَّة فاعلة مؤثرة، تصنع الإنسان، وتصنع الواقع، وتحافظ على حضور القيم الربانية في المجتمع الإنساني، وهي قيم لا قيامة للمجتمع ولا استقرار له من دون الالتزام بها، فعليها تقوم علاقات أفراده فيما بينهم.
 
فما هي العوامل والمؤثِرات التي ساهمت في خلودها، وبقاء جذوتها متَّقِدة مع كرور الأزمنة، وتعاقب القرون؟
 
العامل الأول: ربانية النهضة، وقداسة الأهداف، فلم يكن منطلق النهضة الحسينية سياسيًا محضًا، ولا نزاعًا على سلطة أو نفوذ، وإنما كانت مشروعًا إلهيًا إصلاحيًا، فقد أعلن الإمام الحسين (ع) هدفه بوضوح حين قال: "إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِرًا وَلَا بَطِرًا وَلَا مُفْسِدًا وَلَا ظَالِمًا، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي (ص)، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. فَمَنْ قَبِلَنِي بِقَبُولِ الْحَقِّ فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ هَذَا أَصْبِرُ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْقَوْمِ بِالْحَقِّ، وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ."
 
وعندما ترتبط النهضة بقيم الوحي والرسالة، فإنها تكتسب طاقة البقاء والاستمرار، لأن الناس قد يختلفون حول المصالح، لكنهم يجتمعون على المبادئ الكبرى كالعدل والحق والكرامة، ولهذا لا تُقرأ كربلاء بوصفها حادثة تاريخية منتهية، بل باعتبارها مدرسة دائمة للدفاع عن الدين والإنسان.
 
العامل الثاني: شخصية الإمام الحسين (ع)، فالنهضات غالبًا ما ترتبط بقادتها، وشخصية الإمام الحسين (ع) تمتلك خصوصيات استثنائية. فهو سبط رسول الله(ص)، وابن الإمام أمير المؤمنين والسيدة فاطمة الزهراء (ع)، وهو من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجسَ وطهَّرهم تطهيرًا، وهو سيِّد شباب أهل الجنَّة، وريحانة رسول الله (ص) بإجماع المسلمين، وصاحب المنزلة الروحية والأخلاقية الرفيعة التي لا تدانى. ولذلك فإن استشهاده لم يكن استشهاد قائد سياسي وحسب، بل استشهاد رمز ديني وأخلاقي عظيم، وكلَّما تعمّق الناس في معرفة شخصيته ازداد ارتباطهم بقضيته.
 
العامل الثالث: عالمية القيم التي حملتها النهضة الحسينية، فهذه النهضة المباركة لم تدافع عن قضية تخص جماعة، أو دينًا، أو مذهبًا، أو إقليماً معيناً، بل دافعت عن قيم إنسانية عامة، منها: الحرية، والكرامة الإنسانية، والعدالة، ومقاومة الظلم، ورفض الاستبداد، ونُصرة المظلوم، ولهذا وجدنا شخصيات غير شيعية وغير مسلمة تأثرت بالحسين (ع)، لأن رسالته تخاطب الضمير الإنساني، فكل شعب يعاني الظلم يجد في النهضة الحسينية نموذجاً للمقاومة والصمود.
 
العامل الرابع: عظمة التضحيات، إن التاريخ لا يخلِّد إلا الذين يصنعون أحداثه، ويؤثِّرون في مساره، ويصرف النظر عن الهامشيين الذين يعيشون ليأكلوا ويشربوا ويستمتعوا بمتاع الحياة، وما الحياة الدنيا إلا متاع، إن الذين يصنعون الحياة هم الذين يكابدون ويكِدُّون ويعانون ويقدمون التضحيات من أجل الأهداف النبيلة الكبرى، وهذا ما كان من الحسين (ع) في كربلاء حيث تجاوزت تضحياته المألوف، فقد قدَّم نفسه، وأبناءه، وأخوته، وأصحابه، وسُبيَت نساؤه، ويُتِّمت أطفاله، وبقي رابط الجأش، ثابتًا على موقفه، حتى انتهى به الأمر إلى شهادته، وكل ذلك كان في الله، وكان (ع) يردد كلمته الخالدة: "هَوَّنَ ما نَزَلَ بي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ"، إن هذا المستوى من التضحية جعل نهضته حدثًا استثنائيًا يهزُّ المشاعر عبر العصور.
 
captcha