ایکنا

IQNA

نهضة الحسين (ع) مواقف وقِيَم / 2

قابلية النهضة الحسينية للتجدُّد في كل عصر

20:04 - June 17, 2026
رمز الخبر: 3505143

قابلية النهضة الحسينية للتجدُّد في كل عصربقلم الباحث اللبنانی فی الدراسات الدینیه "السيد بلال وهبي"

اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَوْلادِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَصْحابِ الْحُسَيْنِ"

في مقالة نشرتها يوم أمس قلت: إن النهضة الحسينية المقدَّسة ممتدة عبر الزمان والمكان، لا تخبو جذوتها، بل تزداد اتقادًا على مرور الأيام وكرور القرون، فهي لم تزل حيَّة فاعلة مؤثِّرة في الوجدان الإسلامي والإنساني، صانعة للواقع، فكيف استطاعت أن تتخطى حدود الزمان والمكان، وما هي العوامل التي حفظت لها حضورها وتأثيرها طوال أربعة عشر قرنًا؟

في مقالة الأمس ذكرنا أربعة من العوامل التي ساهمت في ذلك، وهي: ربانيتها وقداسة أهدافها، وميزات وخصوصيات قائدها الإمام الحسين (ع)، وعالمية القيم التي حملتها، وعظمة التضحيات التي قدمتها. وفي هذه المقالة سأذكر العوامل الأخرى وهي:

العامل الخامس: قابلية النهضة الحسينية للتجدُّد في كل عصر، إذ ليست مرتبطة بظرف تاريخي خاص، ففي كل عصر يوجد ظلم وعدل، وحق وباطل، واستكبار واستضعاف، وفي كل عصر يوجد فساد وانحراف وطغاة وظالمون، فيحتاج الناس إلى نهضة إصلاحية شاملة، ولذلك تبقى نهضة الحسين (ع) نموذجًا رائدًا على امتداد الحياة الإنسانية، وتظل الأجيال محتاجة إلى الاستلهام منها، فكل جيل يقرأها بلغة عصره ويستنبط منها الحلول التي يحتاجها في مواجهة الظلم والطغيان، وهذا ما يجعلها قادرة على الاستمرار، ويبقي جذوتها مُتَّقِدة على مَرِّ الأيام دون أن تفقد أصالتها.

العامل السادس: الدور التاريخي والرسالي الذي أدَّاه الإمام زين العابدين، والسيدة زينب (ع). والذي لم يكن منفصلًا عن التخطيط العام للنهضة، فقد هيّأهما الإمام الحسين (ع) لهذه المهمة، وقد أدياها بجدارة منقطعة النظير، لقد شكّلا الامتداد العقائدي والفكري والقيمي والإعلامي للنهضة المباركة، ويمكننا القول لولا ما قاما به لكان أثر النهضة الحسينية محدودًا، ولربما ضاع كما تضيع الكثير من الجهود التي لا تجد من يحفظ أثرها.

ومن هنا قيل: إن النهضة الحسينية صنعها الحسين (ع) وحفظها الإمام زين العابدين وزينب (ع). وقد كان ذلك من خلال الخطب التي ألقياها في الكوفة وفي الشام، والتي بيَّنا للناس من هو الحسين (ع) وماهية نهضته، وكشفا حقيقة يزيد والمشروع الأموي، وقد استطاعا بذلك أن يحوِّلا النصر العسكري للحزب الأموي إلى هزيمة سياسية وأخلاقية.

العامل السابع: الشعائر الحسينية من مجالس العزاء والمحاضرات والمواكب واللطم والزيارات والشعر والرثاء، وما يعرف بالأدب الحسيني، وسوى ذلك من الأنشطة التي نراها تتطوَّر وتتنوَّع مع الأيام، فهذه كلها آليات متجددة لإحياء القضية الحسينية، وهي من أهم عوامل بقائها واستمرارها، لأنها كانت تربط الناس بشخص الإمام وبنهضته وبامتداده الرسالي، تربطهم به عقائديًا، وفكريًا، وقيميًا، وعاطفيًا، وتحفظ نهضته من النسيان، وتحول دون تحوِّل ذكراه إلى مجرد ذكرى تاريخية جامدة، بل تبقيها حاضرة في وعي الناس، مِمّا يجعل هذه الشعائر عملية تجديد سنوية للذاكرة والقيم والمعاني.

ولقد تعرَّفت شخصيًا إلى أشخاص كثيرين هاجروا إلى الغرب ومضى على وجودهم فيه عقود من الزمن، ولعلهم نسوا الكثير من أمور دينهم، لكن ارتباطهم بمجالس عاشوراء لم يضعف، وبقي هو الذي يستعيدهم إلى الالتزام الديني.

ولهذا وجدنا الأئمة الأطهار (ع) قد أظهروا حرصًا منقطع النظير على إحياء ذكرى عاشوراء، فأقاموا بأنفسهم مجالس العزاء، وطلبوا من الشعراء أن يُنشِدوا الشعر في الحسين (ع)، وحثّوا على إقامة مجالس العزاء، والبكاء على الحسين، وبيَّنوا عظيم ثواب البكاء عليه، وبيّنوا كذلك أن الجزع حرام إلا عليه، فلم يترك الأئمة (ع) هذا الأمر لاختيار المؤمنين، بل كان هناك رعاية متواصلة منهم وهدفهم من ذلك المحافظة على النهضة الحسينية من الضياع، وقد شكَّلت تلك الرعاية المستمرة حافزًا إيمانيًا على إحياء أمر الحسين (ع)، كما شكَّلت مشروعًا ثقافيًا وتربويًا حافظ على النهضة الحسينية عبر الأجيال المتعاقبة.

العامل الثامن: فشل السلطات المتعاقبة إلى يومنا هذا في طمس قضية الإمام الحسين، فلقد واجهت قضيته محاولات مستميتة للطمس والإلغاء، ولعل قتل من يحيي شعائرها كان هو الإجراء الأمثل للسلطات الطاغية، ولكن جميع تلك المشاريع باءت بالفشل، لأنه كلما كان القمع يزداد كان الموالون يزدادون تمسَّكًا بالحسين (ع) وبإحياء أمره، وهذا يتسق تمامًا مع سُنَنِ التاريخ، وذلك أن القضايا التي تُقمع تنتج ردَّة فعل بقوة ذلك القمع، وتزداد حضورًا وانتشارًا. 

العامل التاسع: البعد العاطفي، فإن الذي حدث في كربلاء لم يخاطب العقل وحده، بل غاص إلى أعماق القلب والوجدان، فلا يمكن لأي قارئ منصف أن يقرأ أحداث النهضة المباركة إلا ويتأثَّر بأحداثها ومواقف أشخاصها، والقيم التي تجلَّت فيها مثل الصبر، والوفاء، والصدق، والإخلاص، والإيثار، والإباء، والعزة، والشجاعة، والتضحية، والتسليم لأمر الله، والرضا بقدره، والإيمان، وسوی ذلك. ولهذا اجتمع فيها العنصران: قوَّة الفكر، وحرارة العاطفة، وعندما يلتقي هذان العنصران في نهضة فمن المؤكَّد أن تصبح أكثر رسوخًا، وأوسع امتدادًا. 

captcha