ایکنا

IQNA

أطروحة القرآن في طريق ذات الشوكة

16:45 - June 24, 2026
رمز الخبر: 3505233

أطروحة القرآن في طريق ذات الشوكةبقلم ⁠أ.د. فرح موسى: رئيس المركز الإسلامي للبحوث والدراسات القرآنية في لبنان

حينما يغيب الله عن قلوب الناس وحياتهم، يصبح كل شيء موضعًا للشكوى، ومهبطًا للبلوى! ويتحول كل جهد عن كونه مطلبًا وهدفًا للرضى الإلهي، ليكون عبثًا يذهب بكل مجهودٍ، ويجعل منه سدىً! فيا لها من صدمة أن ينزوي كثيرٌ من الناس عن إيمانهم لمجرد أن يمتحنوا في طريق ذات الشوكة، ليعلم الله الصادق من الكاذب، والخبيث من الطيب!

فالله تعالى الذي خلق كل شيء وقدّره تقديرًا، امتحن عباده بصنوف الاختبارات، وأعلمهم بأسرار الجهاد والبلاء، فقال لهم: "وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودُّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته، ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق، ويبطل الباطل ولو كره المجرمون".(الآيتين السابعة والثامنة من سورة الأنفال).

 ⁠هذا هو امتحان الناس في طريق الصبر والجهاد والبلاء، ومَن ليس له دراية في فقه الآيات، فهي ناظرةٌ إلى حقيقة ما يطلبه الناس دائمًا من رخاء وهدوء وسلامة في واقع الحياة. فهم يطلبون العيش الهانيء والفوز بمتاع الحياة، والظفر بكل ما لذّ وطاب من سلطة ومال! فهذا حال الناس، أنهم ينقسمون بين مستجيب لدعوة حقٍ، وبين متمردٍ كأن بأذنه عن سمع المواعظ وقرًا! هكذا كانت حالة الناس مع الأنبياء، كانوا إذا خيّروا بين عير ونفير، كانوا يختارون العير وما تحمله من ذهب ومال!

فالله في هذه الآيات، يقول للعباد: إن الطريق إلى الفوز ليس دائمًا مقرونًا بالهدوء والسلامة وراحة البال، فالجنة حفّت بالمكاره، والنار حفّت بالشهوات، والله لا يخدع عن جنته، فهو يريد لعباده أن يكونوا حيث يريدهم ويأمرهم، وليس للناس أن يختاروا في الطريق إليه إلا ما اختاره لهم، وقد اختار لأهل "غزوة بدر"، في السنة الثانية من الهجرة، النفير في سبيل الحق بعد أن كانت أعناق الكثيرين منهم تمتد إلى زينة الحياة في عير "أبي سفيان"!

فالآيات توضّح ما كان عليه بعض الناس من رغبة وحرص على الفوز  بالمتاع، ولكنّ الله تعالى أراد منهم شيئًا آخر، وهو النفير والجهاد ونصرة الحق" ولو كره المجرمون". إنها سنة الله تعالى في خلقه، أنه يريد إحقاق الحق، سواء أراد الناس ذلك ،أم كرهوا ، وليس لأحد أن يسأل عن جدوى الجهاد في الدفاع عن الحقوق والكرامة والسيادة، لأن الله تعالى، كما أعلمنا، يستبدل قومًا بآخرين،وكم من أسباب ظاهرة أوحت باستفحال الباطل، ثم جاءت الوقائع والأحداث لتثبت خلاف ذلك! ألم يعتقد الكثيرون منا أن الأحداث قد تجاوزت أهل الحق، وأنشبت سهامها فيهم، وجاء اليوم التالي بقوة الحق،كما جرى ويجري مع العدو الصهيوني في أيامنا هذه!

فالعدو اعتقد جازمًا أن الآفاق قد انجلت له عن فوز عظيم، فإذا به يتلوى على حدود الهزيمة في لحظة اليقين! فأنى لمَن تاه عن سر الله في خلقه، أن يبصر، أو يستلهم حقيقة الموقف في ما هو مراد الله تعالى في تقليب القلوب والأحداث! فكثيرون منا لا يريدون طريق ذات الشوكة، ولكن ماذا نفعل إن كانت الحياة والكرامة والوجود، إن كان كل ذلك يتطلب شوكة الحياة، وعناد الحق في الدفاع والجهاد! لقد سبق للأعراب، ولكثير من الأمم، اختيار ما يلائم دعة الحياة، فاستكانوا ومالوا مع كل هوان حتى استووا على كل مهانة، وكانت النتيجة تحوّل الأمور عن كونها دعةً، لتكون حربًا ضروسًا ضد العدوان!

فهلا تعقلنا معنى أن يريد الله تعالى إحقاق الحق بكلماته، أم أننا لا زلنا نستلهم من ظواهر الأمور، ونغيب عن بواطنها؟ فأهل الإجرام لا يخلو منهم مكان، ولا زمان، والله يقول"ولو كره المجرمون"، أونظن أن انتصار الحق، هو دائمًا رهين سوء ظن وتقادير العباد؟ لقد قالها أمير الحق والبيان علي بن أبي طالب ع:"ذلّت الأمور للمقادير حتى كان الحتف في التدبير.."،فدبّروا وقدّروا أيها الحمقى في ما تعتقدونه خيارًا لازمًا، ودنيا مبسوطةً لكم!

 فالكل بيد الله تعالى، وعلى كل مَن يجاهد في سبيل الله تعالى النظر دائمًا في بواطن الأمور إذا نظر أهل الإخلاد إلى الأرض إلى ظاهرها، وليعلم هؤلاء المجاهدون أن خسارة الولد والمال والرزق، أو ربح ذلك، ليس بيد أحد من الناس، وإنما هو بيد الله تعالى، وليكن همنا في ما اختاره الله لنا مهما كانت صعوبة الطريق إليه. كما قال تعالى:" إنما يستجيب الذين يسمعون، والموتى يبعثهم الله…"، فلنكن ممن يسمع ويعقل عن الله تعالى، لإدراك حقيقة الموقف وتحمل مسؤولية خياراتنا في طريق الله تعالى. والسلام.

captcha