بقلم الاعلامية اللبنانية "ريما فارس"
لم يكن ما شهده العالم، وما يزال يشهده في جغرافيا ممتدة عابرة للحدود، مجرد مراسم تشييع لشخصية استثنائية، بل نحن أمام الحدث الجنائزي الأضخم والأكبر في التاريخ الإنساني المعاصر. إنه طوفان بشري لم ترَ البشرية له مثيلاً، وزلزال عقائدي وشعبي أخرس كل الرهانات، وأثبت أننا أمام قائد صاغ التاريخ في حياته، وقلب موازين القوى في شهادته. فمن الطوفان المليوني الذي تفجّر عندما زار الجثمان الطاهر جده الحسين(ع) في كربلاء المقدسة والنجف الأشرف، متوجاً أمنيةً طالما تمناها القائد في حياته وحالت ظروفه السياسية والجهادية دون تحقيقها، إلى فجر السبت الحزين في طهران، وصولاً إلى الترقب المهيب الذي ينتظر أرض مشهد نهار الأربعاء القادم، يبدو المشهد كاستفتاء دموي ممتد وقيامة مليوية متجددة تعلن ولادة مرحلة كونية جديدة.
إننا نكتب عن رمز إنساني وعقائدي فذ، شخصية جمعت بين حكمة القيادة، وعمق البصيرة، وصلابة الموقف، وزهد العارفين؛ آية الله السيد علي الخامنئي، الذي قاد الأمة طوال عقود بثبات وعزيمة. لقد كان هذا القائد العظيم الصخرة التي تحطمت عليها كل المؤامرات الدولية والمشاريع الاستعمارية، ولم يكن يقود دولة فحسب، بل كان الأب الروحي والعمود الفقري لجبهة علّمت المستضعفين كيف يرفعون هاماتهم في زمن الانكسار. وتكمن عظمته في هذا الحب الجارف الذي زرعته شهادته في قلوب الملايين، وهو حبٌ عابر للقوميات واللغات، جعل من رحيله جرحاً شخصياً في قلب كل حر في هذا العالم، ووقوداً لثورة وعي لا تنطفئ.
وإذا كانت كتب التاريخ قد سجلت مسيرات تشييع تاريخية في عقود مضت، فإن ما يحدث اليوم يضرب كل الأرقام القياسية ويتربع على عرش التشييع الأول والأضخم عالمياً بفضل هذا الترابط الجغرافي الفريد والمحطات المليونية المتلاحقة. لقد بدأت الملحمة باحتضان المراقد المقدسة للنعش الطاهر، حيث حظي الجثمان بزيارة الوداع واللقاء عند جده أمير المؤمنين(ع) في النجف وجده الحسين(ع) في كربلاء، تلك الزيارة الكبرى التي غصت بها الساحات وتحولت الأرض بين الحرمين الشريفين إلى بحر بشري هائج. إن خروج تلك الجموع الزاحفة لوداع الشهيد حمل دلالة كونية مدوية ليؤكد للعالم عمق الروابط الروحية والوجدانية، وأن هذا اللقاء القدسي قد التئم بالدم والشهادة بعد طول اشتياق وانتظار في الحياة الدنيا.
وبعد محطة العتبات المقدسة، عاد الجثمان ليحتضنه مصلى الإمام الخميني(رض) وسط العاصمة الإيرانية فجر السبت الرابع من تموز، حيث غصت الشوارع والميادين الممتدة لعدة كيلومترات ببحر من البشر لم ينتهِ أفقُه، واحتشدت الملايين في مشهد مهيب امتزجت فيه مراثي الفقد بهتافات الغضب والوعيد، لتبعث طهران برسالة حاسمة بأن رحيل الجسد هو ولادة متجددة للنهج، وأن الراية لن تسقط. والآن، تتجه الأنظار بقلوب خاشعة وعيون مترقبة نحو مدينة مشهد المقدسة، حيث سيكون الدفن النهائي نهار الأربعاء القادم بجوار الإمام الرضا(ع)، ويُتوقع هناك انفجار بشري غير مسبوق يزحف فيه الملايين من كل حدب وصوب ليكون الوداع الأخير صرخة مدوية تعلن ولادة مرحلة جديدة من الثبات والمواجهة.
إن هذا التشييع الأسطوري الأول في العالم، الممتد تاريخياً وجغرافياً من ظلال مرقد جده الحسين(ع) إلى طهران الصمود، والذي سينفجر في مشهد الأربعاء المقبل، هو الدليل القاطع على أن الأجساد قد تغيب، لكن العقيدة لا تموت وسياسة الاغتيالات لا تزيد هذه الأمة إلا تماسكاً وتجذراً. لقد أراد الأعداء بغيابه كسر الإرادة، فجاء الرد من الملايين التي ملأت الميادين بأن دماء قائد الأمة الشهيد تحولت إلى طاقة ثورية عالمية شاملة، لترحل الجنازة التاريخية وتدفن في باطن الأرض بعد أن نالت شرف الطواف الأخير، بينما يبقى فكره وصوته ونهجه أحياء يزلزلان عروش المستكبرين إلى أبد الآبدين، فالراية لم تسقط، بل رفعتها اليوم ملايين الأيدي المستعدة للعطاء بلا حدود.