ایکنا

IQNA

المسيحيون غاضبون من افتراءات نتنياهو عن القرى الحدودية

12:56 - July 06, 2026
رمز الخبر: 3505392
المسيحيون غاضبون من افتراءات نتنياهو عن القرى الحدوديةبقلم الكاتب والمحلل السياسي اللبناني "ناجي علي أمهز"
 
ايها اللبنانيون إن اللحظات المصيرية في تاريخ الأمم تتطلب مواقف تتجاوز الحسابات السياسية، لتلامس جوهر الوجود والكرامة الوطنية. واليوم، وبعد افتراءات رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو بحق القرى المسيحية الحدودية، لم يعد هناك مبرر واحد يسمح باستمرار الانقسام بسبب كيان يستهدف بالتحريض والكذب أقدس ما يملكه اللبنانيون: "في حدتهم وهويتهم وسيادتهم وكرامتهم". 
 
إن رئيس وزراء العدو في هذه المرحلة لا يشن حرباً عسكرية على الشيعة فحسب، بل يذهب إلى ما هو أبعد؛ إنه يشن حرباً وجودية على المكون المسيحي اللبناني، ليس بهدف الضغط الميداني، بل لنسف مقومات لبنان الكيانية وتفكيك صيغة العيش التي تميزه. فإذا كانت القرى الشيعية تواجه اليوم حمم النار والبارود، فإن القرى المسيحية تواجه ما هو أخطر: الاعتداء بالكذب والتشكيك في وطنيتها، ومحاولة وصمها بالخيانة والتبعية للاحتلال.
 
إن ما يريده نتنياهو من خلال تزوير الموقف المسيحي الوطني هو إرسال رسالة مسمومة للعالم، مفادها أن لبنان لم يعد دولة واحدة، بل أجزاء متناثرة؛ فبينما يقاتل الشيعة دفاعاً عن أرضهم، يدّعي كذباً أن القرى المسيحية تسعى للانضمام إلى كيانه، وهذا ليس مجرد تصريح عابر، بل هو اعتداء سياسي وأخلاقي يهدف لضرب "الفكرة اللبنانية" في مقتل. 
 
والجميع يعلم، والعدو قبل الصديق، أنه لا توجد قرية مسيحية واحدة تقبل بهذا الهوان. فـ "عين إبل"، التي أنجبت مثلث الرحمة البطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش، لا يمكن أن تنفصل عن تاريخها ووطنها حتى لو بقيت وحيدة تدافع عن وحدة لبنان؛ كما كان ابنها البطريرك شريكاً للإمام موسى الصدر في صياغة أول مبادرة وطنية جامعة عام 1970 لدعم قرى الجنوب وتثبيت أهلها في أرضهم.
 
إن أخطر الحروب هي تلك التي تستهدف الوعي الوطني وتعمل على خلخلة الثقة بين أبناء الوطن الواحد. وما صدر عن رأس هرم السلطة في كيان الاحتلال هو إساءة مباشرة لتاريخ القرى الحدودية ووفائها المطلق للبنان. 
 
إن هذه القرى، من رميش وعين إبل ودبل إلى علما الشعب والقليعة ودير ميماس حتى الكفير المختلطة، ليست مجرد تجمعات سكانية، وليست "مستوطنات" طارئة من أصقاع الدنيا، بل هي أصل لبنان ومنبته، وجزء أصيل من معادلة السيادة كما هو حال جبل عامل وجبل لبنان تماماً. 
 
لقد بقي أهل هذه البلدات في أرضهم حين كانت المخاطر تتهدد وجودهم، لأنهم آمنوا أن بقاءهم هو الخط الأول للدفاع عن فكرة التنوع اللبناني. لذا، فإن استهدافهم بالكذب يوازي في خطورته استهدافهم بالنار، فالهدف هو إحداث شرخ وطني يوحي بأن المسيحيين يبحثون عن حماية خارج دولتهم، بينما الحقيقة الساطعة أنهم دفعوا أثماناً باهظة ثباتاً على هوية لبنانية لا تقبل التجزئة.
 
لقد جاء الرد حاسماً من بلديات ومخاتير وفعاليات هذه القرى، ليؤكد أن الانتماء للدولة اللبنانية وشرعيتها هو خيار نهائي لا رجعة عنه، وأن كل ما نُسب إليهم ليس سوى فبركات اسرائيلية إعلامية خبيثة. وهنا، تنتقل المسؤولية مباشرة إلى عاتق الدولة اللبنانية؛ فلا يكفي الاكتفاء ببيانات الاستنكار والادانة اللفظية، لأن ما جرى هو محاولة لرسم وقائع سياسية مزيفة تمس السيادة الوطنية. 
 
إن من حق لبنان، بل من واجبه السيادي، أن يطالب باعتذار رسمي وعلني عن هذه التصريحات وإزالة كل ما نُشر بشأنها من المنصات التابعة للعدو. 
 
إن استمرار أي مسار تفاوضي في ظل هذا العدوان المعنوي يعطي انطباعاً بأن الدولة تتساهل في كرامة أبنائها. والموقف الطبيعي والوحيد الذي يليق بلبنان هو تعليق المفاوضات فوراً حتى يتم التراجع عن هذه المزاعم، فالسيادة لا تُناقش تحت وطأة الأكاذيب، والكرامة الوطنية لا تقبل التفاوض.
 
لقد حاول الاحتلال مراراً تحويل التنوع اللبناني إلى ثغرة ينفذ منها، لكن اللبنانيين أثبتوا في كل المحطات أن هذا التنوع هو مكمن قوتهم. والمسيحيون في الجنوب كانوا دائماً في قلب الإجماع الوطني وفي صلب الدفاع عن الأرض والإنسان. 
 
إن الدفاع عن القرى الحدودية الاسلامية والمسيحية اليوم هو دفاع عن لبنان بأسره، فعندما تبقى هذه القرى صامدة ومتمسكة بوطنيتها، يبقى الجنوب لبنانياً، ويبقى مشروع "تفتيت لبنان" مجرد أوهام في مخيلة قادة الاحتلال. 
 
إن أخطر ما في كلام نتنياهو هو استهدافه للأساس الذي قام عليه لبنان: أن أبناءه شركاء في مصير واحد لا يُقاس بالعدد ولا يُختزل بالطائفة. هذه الفكرة تستحق من الدولة موقفاً حازماً وشجاعاً، لأن الصمت أمام تزوير الواقع لا يقل خطراً عن التنازل عن السيادة والحرية والاستقلال.
captcha