بقلم الكاتب والباحث العراقي "رسول حسين أبو السبح"
في سوح العقيدة والولاء، لا يُقاس الفقد بالغياب الجسدي، بل بالأثر الروحي الممتد الذي يتجاوز الحدود والخرائط، وحين امتزجت دموع الوفاء بين ضفتي العراق وإيران، تجلت أسمى صور التلاحم الإنساني والعقائدي بين الشعبين، لتؤكد أن دماء القادة ومسيرتهم تظل مناراً تستلهمه الأجيال، وأن "السيد" الذي عاش مشروع شهادة مستمر، يبقى حاضراً في ضمير الأمة.
لم يكن التشييع الرهيب والمهيب الذي شهدته مدن العراق المقدسة من النجف وكربلاء مجرد مراسم عابرة، بل كان إعلاناً عراقياً مدوياً عن الارتباط الوثيق بمنهج المقاومة والتضحية، خرجت الحشود المليونية في العراق تحمل النعوش بقلوبٍ مكلومة، لتؤكد للعالم أجمع أن مصاب جيرانهم هو مصابهم، وأن الوفاء لبيت السيد هو جزء لا يتجزأ من هويتهم العقائدية والأخلاقية.
هذه "الغيرة" العراقية والأصالة المعهودة فتحت أبواب القلوب قبل المدن لمشاطرة الأحزان، ورسمت لوحة من المواساة ستبقى محفورة في ذاكرة التاريخ.
هذا الموقف التاريخي العظيم قوبل بفيض جارف من الامتنان والتقدير في الداخل الإيراني، فبينما كانت الملايين تحتشد في مدينة "مشهد" المقدسة، وتطوف حول مرقد الإمام الرضا (ع) خلف الجثامين، لم تمنع حرقة الدموع وعمق الفاجعة الجماهير الإيرانية من الالتفات صوب الوفاء العراقي.
وفي لحظة صدق هزت الوجدان، ارتفعت الأصوات والشعارات في شوارع مشهد، وتُرجمت في رسائل وجدانية متبادلة، تلخصت في ذلك البيت الشعري الذي بات أيقونة لعلاقة الشعبين.
"أگرْ چه دِلْ شكستهَ أز فراقيم ممنونِ لطفِ مَردمِ عراقيم"("مع أن قلوبنا كسيرة لوفاة وفراق السيد.. لكننا نشكر للعراقيين لطفهم وطيبهم ورجولتهم وحبهم ووفاءهم".
إن هذا الشكر العفوي النابع من أعماق الشعب الإيراني يكشف عن حقيقة راسخة، إن الروابط بين الشعبين العراقي والإيراني ليست تحالفات سياسية مؤقتة أو مصالح بروتوكولية، بل هي رابطة روحية، وعقائدية، واجتماعية وثيقة تُترجم وتشتد في الملمات والمصائب، لقد أثبت العراقيون أنهم سند الشدائد وأهل المواساة، فلم يتركوا جيرانهم في لحظة الانكسار دون أن يقاسموهم الألم والدموع.
الرسالة الإيرانية التي تتناقلها الأيدي اليوم بشغف وامتنان هي وثيقة تاريخية لملحمة إنسانية وعقائدية فريدة، سيكتب التاريخ أن التشييع الرمزي والفعلي قد وحّد القلوب، وأن أصوات الشكر القادمة من مشهد ستبقى تتردد في ضمير العلاقة الأخوية، لتؤكد أن الدماء والدموع المشتركة أقوى من كل المخططات، وأن روح الشهادة تظل تجمع الأمة وتشد أزرها، "ممنونِ لطفِ مَردمِ عراقيم".