ایکنا

IQNA

على الجماعة المؤمنة أن تخوض غمار الصراع مع الظالمين

20:08 - July 13, 2026
رمز الخبر: 3505502

على الجماعة المؤمنة أن تخوض غمار الصراع مع الظالمينبقلم الباحث اللبنانی فی الشوون الدینیه "السيد بلال وهبي"

قال الله سبحانه وتعالى: "وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ... ﴿محمد: 4﴾".

تجيب هذه الآية الكريمة عن سؤال يتردد على ألسنة المظلومين والمستضعفين والمقهورين والمقتولين، الذين يرون الظلم يستبدُّ بهم، والقهر يمارس عليهم، والعدو يصول ويجول، يقتل من يشاء، ويدمِّر ما يشاء، ويحتلُّ ما يشاء، وهم لا يملكون حولًا ولا قوة، فيقولون: لماذا لا يعذبهم الله؟ لماذا لا ينتقم منهم؟ لماذا لا يخلِّصنا من جورهم واستبدادهم؟ لماذا لا يُنزل عليهم صاعقة تمحقهم كما كان يفعل بالأولين؟! أليس الله قادرًا على كل شيء، ولا يعجزه شيء؟.

مِمّا لا شك فيه أن الله على كل شيء قدير، فبيده ملكوت كل شيء، وله جنود السماوات والأرض، وبيده أسباب النصر والهزيمة، و"إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" ﴿يس: 82﴾، فلو شاء سبحانه أن يهلك الظالمين جميعًا في لحظة لفعل، ولو شاء أن ينتصر من أعدائه من غير أن يرفع المؤمنون سيفًا ولا يبذلوا جهدًا لفعل، ولكنه سبحانه اقتضت حكمته أن تجري الأمور وفق السنن التي أقام عليها هذا الكون، وأن تكون النتائج ثمرةً للأسباب التي أمر عباده أن يأخذوا بها.

ولذلك لم يشأ سبحانه أن يرفع عن المؤمنين مؤونة الجهاد، ولا أن يعفيهم من تبعات المواجهة، بل أراد لهم أن يعدوا أسباب القوة، وأن يبذلوا الوُسْعَ في مقاومة الباطل، ليكون النصر ثمرة إيمانهم وعزمهم وصبرهم وتضحياتهم، وأن يكون مكسبًا من مكاسبهم، فيشعروا بقيمته، ويُحسِنوا المحافظة عليه، ويكون بناءً راسخًا أقاموه بأيديهم، لا عطية عابرة لم يشاركوا في أسبابه، وعلى هامش ذلك يتميَّز المجاهد من القاعد، والصابر عن العجول، والمخلص عن المصلحي، والثابت يقينه عن المتزلزل، والمؤمِّل عن اليائس. 

فمن حكمة هذا الابتلاء أن تظهر حقائق النفوس، وتبرز معادن الرجال، فإن كثيرًا من الفضائل لا تظهر في أوقات السَّعَة والرخاء، وإنما يكشفها البلاء، فالشجاعة لا تعرَفُ إلا عند المخاوف، والصبر لا يتجلّى إلا مع الشدائد، والإيثار لا يبرز إلا عند الحاجة، والثبات على المبادئ لا يُمتَحَن إلا حين تتزاحم المغريات وتتوالى التهديدات، ولو أن الله سبحانه أزال الباطل كلما ظهر، لما ظهر صدق الصادقين، ولا تميَّز أهل العزائم من أهل الدعاوى الفارغة، ولظل كثير من الخير كامنًا في النفوس لا يخرجه إلى الواقع إلا ميدان الابتلاء.

ناهيك عن أن ذلك يدعو الأمة إلى اكتشاف وطاقاتها، واكتشاف نقاط ضعفها وقوتها، وتطوير قدراتها، وفيه تقوية لكيانها، ورُقي لعقول أبنائها، لأن الحرب تستفز الطاقات الكامنة من جهة، وتنبِّه العقول لاستثمارها، مِمّا يدعوها إلى الاختراع والابتكار، الأمر الذي يساهم في تطوير المجتمع أو الأمة في مختلف الميادين، فضلًا عن اجتماع الكلمة، ووحدة الموقف، وائتلاف القلوب، وهذه هي سُنَّة الله الجارية في هذا الوجود، والقاضية بأن الصراع هو الذي يطور الأمم، وأن مدافعة العدو تشحذ هممها، وأن مواجهة الخير للشر تقوي الخير في الإنسان. 

فعلى الجماعة المؤمنة أن تخوض غمار الصراع مع الظالمين، متوكلة على الله تعالى، والله يعينها ويسددها ويمدها بمدده من وراء الغيب، فلو انشغل المستضعفون بشؤون حياتهم وتركوا أمر مواجهة عدوهم إلى الله تعالى، وفضّلوا الخمول والراحة والدعة فكيف ستتطور وتبتكر وتبدع وتتقدم على غيرها من الأمم؟!

فالنصر الذي يقع بأيدي المؤمنين، بعد إعداد وصبر وتضحية، أعظم أثرًا في بناء الأمة، وأرسخ في تثبيت الإيمان، وأبلغ في إقامة الحجة، من نصر يقع بمعجزة تنقضي آثارها بانقضائها.

ومما تقدم تتضح لنا عظمة هذا الدين الذي يريد أن يستثمر كل طاقات الإنسان ليصنع منه إنسانًا مبدعًا معتمدًا على الأسباب، ومتوكّلًا على الله تعالى، ولا يريد إنسانًا خاملًا متواكلًا، وكَلّاً على مولاه.

جدير بالذكر أن الله سبحانه لا يهمل أمر عباده، ولا يتركهم وشأنهم يواجهون أعداءهم من دون أن يؤيدهم، ويسددهم، ويعينهم على قتال عدوهم، ويهيء لهم الأسباب، ويكشف عنهم الكرب، ويجعل لهم من كل ضيق مخرجًا، بل ينزل عليهم ملائكته مردفين ليثبتوهم كما نصَّ القرآن الكريم على ذلك، فالله سبحانه لا يترك نُصرة أوليائه، نعم قد يؤخِّر إنزال النصر النهائي الحاسم لتتكامل أسبابه وتتهيأ ظروفه التي لا يعلمها سواه. 

captcha