بقلم "سيد عيسى مسترحمي"؛ أستاذ مشارك ومدير المدرسة العلیا للقرآن والعلوم في جامعة المصطفى(ص) العالمية
من منظور القائد الشهيد للثورة الاسلامية الايرانية، سماحة آية الله العظمى الخامنئي (رض)، لا يُعدّ القرآن الكريم مجرد كتابٍ للهداية الفردية، بل هو نظامٌ شاملٌ لتنظيم الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والحضارية للإنسان.
الأساس الرئيسي لفكره التفسيري هو شمولية القرآن ودوره في توجيه حياة الإنسان على الصعيدين الفردي والاجتماعي. ويعتقد أن معظم آيات القرآن الكريم مُخصصةٌ للقضايا الاجتماعية، وأن هذا الكتاب الإلهي قادرٌ على الاستجابة لقضايا واحتياجات المجتمعات المعاصرة.ولذلك فإن القرآن ليس مصدراً للإرشاد الروحي فحسب، بل هو أيضاً إطار لتحليل وتصحيح وإدارة العلاقات الاجتماعية.
من المحاور الأساسية للتفسير الاجتماعي عند الإمام الشهيد، آية الله العظمى الخامنئي، نظرية "السنة الاجتماعية الإلهية". فهو يؤمن بأن القرآن الكريم يُعبّر عن مجموعةٍ من القوانين الإلهية الثابتة التي لا تتغير مع تطور المجتمعات. القوانين التي استمرت عبر التاريخ، وفهمها يُتيح تحليل حالة المجتمعات والتنبؤ بالمستقبل. ومن بين هذه التقاليد "سنة النصرة الإلهية"، التي تستند إلى آيات مثل "إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ" (محمد، 7) و" لَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ" (الحج، 40)، وتعتبر الاستعانة الإلهية مشروطة بالنصرة في دين الله.ومن وجهة نظره فإن هذه التقاليد هي قوانين نهائية وعالمية وليست استثنائية.
ومن السمات الأخرى لفكره الاجتماعي أيضًا التفسير الاجتماعي للعبادات. فالإمام الشهيد يعتقد أن العبادات كالصلاة والصيام والحج ليست مجرد أعمال فردية، بل لها وظائف اجتماعية واسعة. . وبحسبه فإن أداء الصلاة يعني إدراك قيم الصلاة وآثارها الاجتماعية في المجتمع، ويحقق الحج فلسفته الحقيقية عندما يعزز وحدة الأمة الإسلامية وتماسكها وتقاربها. ولذلك، بالإضافة إلى الدور الروحي، تعتبر العبادات الإسلامية أدوات لإصلاح البنية الاجتماعية وتعزيز رأس المال الاجتماعي للمجتمع الإسلامي.
وفي مجال الأنثروبولوجيا الاجتماعية، يُقدّم الإمام الشهيد مقاربة مختلفة لمسألة "أصالة الفرد أو المجتمع". فخلافًا للآراء الفلسفية السائدة التي تُنسب الأصالة إلى أحدهما، يُحلل هذه المسألة في إطار المعرفة الإسلامية، ويعتبر الفرد والمجتمع واقعين متكاملين ومتداخلين. ومن وجهة نظره فإن الإسلام يخاطب الإنسان باعتباره كائناً له عقل وسلطة ومسؤولية فردية، ويهتم أيضاً بالمجتمع باعتباره واقعاً اجتماعياً؛ ولذلك فإن نمو الفرد وتميز المجتمع يتحققان بشكل متبادل وتآزري.
من الأسس المهمة الأخرى للقائد الشهيد (قدس سره الشريف) هو دور الأنبياء في بناء النظام الاجتماعي. ووفقاً له، لم تقتصر غاية رسالة الأنبياء على الدعوة الأخلاقية أو التربية الفردية فحسب، بل شملت أيضًا إرساء نظام اجتماعي وسياسي قائم على الوحي.وبحسب الآية 213 من سورة البقرة فإن الكتاب الإلهي هو المرجع لتنظيم العلاقات الاجتماعية والتحكيم في النزاعات الإنسانية، والحكومة الدينية مسؤولة عن تطبيق القواعد والقيم القرآنية في الساحة الاجتماعية.
ويرى الإمام الشهيد أن تطبيق القرآن الكريم عاملٌ أساسي في إحياء الحياة الاجتماعية والحضارية للأمة الإسلامية. ويعتقد أن التمسك بتعاليم القرآن يؤدي إلى ازدهار العقلانية، والحرية الفكرية، والتقدم العلمي، وتعزيز روح المبادرة والمسؤولية الاجتماعية، وكما جلب الإسلام في بداية التاريخ الأمم التي تعاني من الانحطاط إلى الكرامة والحياة الاجتماعية، فإنه يمكن اليوم أيضا أن يضع الأساس لتشكيل مجتمع ديناميكي مستقل يتمتع بالكرامة الإنسانية. ومن هذا المنطلق يعتبر القرآن الكريم الأساس النظري للحضارة الإسلامية وأهم مصدر لتنظيم الحياة الاجتماعية للإنسان المعاصر.