بقلم الباحث الدینی "محمد جواد الدمستاني"
إنّ الإعلام و الوسائل الإعلامية لها دور كبير و واسع في بيان حقيقة الأحداث و أبعادها المختلفة، ويخضع مدى تركيزها أو إهمالها لبعض الأحداث تحت سياستها و إدارتها، ومنها زيارة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام التي ظُلِمت في وسائل الإعلام العالمية والعربية حيث أنها من أكبر التجمعات البشرية السلمية على مستوى العالم لكنها لم تجد لها حيّزاً في إعلامه، هذا التعتيم الإعلامي ليس غفوة و غفلة و إنما هو مقصود و متعمّد و لعل السبب الرئيسي لذلك هو تضاد المفاهيم و الأسس بين الجهتين أي الإعلام العالمي و كربلاء الثورة الحسينية التي تشكل زيارة الأربعين أحد مظاهرها، فإنّ الإعلام خاضع لسياسة تحريرية و أجندة انتقائية.
فالنشر في وسائل الإعلام يبتني على معايير محددة عالمية واضحة هي أساس النشر و البث في تلك الوسائل المتعددة مثل ضخامة الحدث و أهميته و عدد المتأثرين منه مثل الكوارث الطبيعية و الزلازل، أو الأزمات الاقتصادية العالمية، و الارتباطات السياسية و تأثيرها على الجمهور محل الحدث كأوضاع القيادات العالمية السياسية أو الدينية، أو الأحداث المفاجئة التي تغيّر مسار المستقبل كالانقلابات و الاكتشافات و النزاعات السياسية و العسكرية، أو اشتراك أعداد كبيرة من الناس في حدث معين، فمتى ما كان ذلك متوفرا في الحدث تناولته وسائل الإعلام، لكن ذلك لا يسير كله بطريقة موضوعية و علمية بحتة دون منهجية و مصلحة و مديرية وسائل الإعلام فإن هذه الوسائل ليست مستقلة و موضوعية تماما و تسير على منهج إعلامي له أسس لا يتم تجاوزها، و إنما هي وسائل تتبع دولا و جهات لها مصالح و منافع و أن نشر خبر ما يخضع لتلك المصالح أكثر من خضوعه للمعايير الإعلامية الظاهرية.
و زيارة الأربعين للإمام الحسين عليه السلام حدث كبير في منطقة تعج بالمتغيرات السياسية و الاجتماعية و يشارك فيها أكثر من عشرين مليون زائر متعددي الأعراق و القوميات من جميع دول العالم مما يجعله من أكبر التجمعات البشرية على الأرض و أكبر التجمعات السنوية، و يتأثر بالزيارة عدد كبير من الناس في العالم و خاصة من أبناء منطقة غرب آسيا، فيحقّ له نصيب وافر في الإعلام قياسا للمعايير المهنية لكن ذلك لا يحصل بل عكسه تماما إذ يكون التجاهل و التغافل للحدث هو الغالب و كأنّ حدثا لم يحدث و كأنّ تجمعا لم يكن، إلا التغطية التي تقوم بها القنوات الشيعية.
فلماذا هذا التعامي المتعمّد من وسائل الإعلام في الوقت الذي ينقل أحداثا أقل بكثير من هذا التجمع الذي يفوق 22 مليون زائر لسنة 1445 هجري (2023 ميلادي)؟ لماذا لا يثيرهم هذا التجمع الذي يزيد عددا و أهمية على مناسبات و حوادث أخرى تُغطى على نطاق واسع إعلاميا؟.
و لكن للإنصاف ليس كل الإعلام غافلا تماما عن مسايرة زيارة الأربعين فإنّ بعض وسائل الإعلام تتربص وقائعه و تنقل بعض الأحداث السلبية الخارجة عن مجتمع الأربعين المعادية له و تنشر بقوة حوادث التفجير و القتل المتعمد للزوار و تصوغ أخباره بصياغة سلبية غير حرفية، و بعضها يُغطّي الزيارة بطريقة سطحية لا تتعمق في البعد الديني و الفكري و الأخلاقي للزيارة و الثورة الحسينية، و بعضها يُغطي بطريقة مشوّهة فيهمل كل الأبعاد الإنسانية و الإيمانية و الفكرية للزيارة و يقتصر على إظهار مسألة التطبير.
هذا التجاهل يؤكد على عدم موضوعية وسائل الإعلام سواء العالمية أو العربية، و يمكن طرح عدد من الأسباب و الأفكار لهذا التجاهل الكبير، منها:
إنّ الحسين و كربلاء و الحالة الحماسية للزائرين، و مفاهيم الثورة الحسينية من رفض الظلم و الباطل، و الإصرار و التحدي الحسيني في إسقاط الظالمين، و شعارات العز و الكرامة و «هيهات منا الذلة» و التي ترافق الثورة الحسينية و تترشح على زوار الأربعين تناقض مصالح أصحاب الإعلام و منهجيتهم و أجندتهم، بل هي في موقع التضاد تماما حيث تقوم تلك الوسائل بتهميش الصورة الإيجابية للإسلام و الثورة الحسينية التي تحمل عنوان تحدٍّ و صمود و مقاومة ضد الهيمنة و الإمبريالية.
و منها إنّ زيارة الأربعين ترسّخ القيم الإنسانية و الدينية و تُظهر الإسلام بصورة مختلفة عن تلك النظرة التي يُظهرها الإعلام الغربي، فزيارة الأربعين صورة ناصعة للوحدة و التضامن و التسامح في مشهد فريد من نوعه على مستوى العالم حيث التكاتف و التعاون و الكرم و الخدمة الطوعية و تقديم المواكب الحسينية الأطعمة و الأشربة و السكن و الرعاية الطبية لكل الزوار مجانا دون أي مقابل مادي، و هذا يختلف تماما مع الصورة التي تقدمها وسائل الإعلام عن المسلمين عامة، فإبراز هذه الصورة الناصعة للأربعين و الإسلام يقوّض أجندة عدد من وسائل الإعلام و أجهزتها.
و إنّ وسائل الإعلام الغربية تعكس مجتمعا علمانيا و اقتصادا رأسماليا يبتعد عن القيم الروحية مما يجعله لا ينسجم مع قيم الأربعين بل و يتحاشاها، و يجد صعوبة في نقل حدث ضخم يعتمد على قيم التضحية و الإيثار و الكرم و الإحسان التي تتعارض مع القيم المادية و الاستهلاكية.
و لا يقتصر الإهمال في تغطية موسم الأربعين على الإعلام العالمي الذي لا يُعذر و لكن يُتفهم إهماله و إغفاله السلبي بل تقوم وسائل الإعلام العربية و الإسلامية بهذا الإهمال و لكن من زوايا و أسباب أخرى طائفية تعصبية في مجملها، حيث يُنظر إلى هذه الزيارة و ما تتضمنه من مظاهرات مليونية و ترسيخ للقيم الدينية و ما يترشح من الزيارة على أنها مظهر من مظاهر قوة الشيعة و تماسكهم يدفع بعض وسائل الإعلام إلى زيادة التعتيم الإعلامي و الإقصاء الإخباري للحد من هذا الظهور.
يُضاف إليه تلافي الإحراج الذي قد يسببه بث موسم و مراسم الأربعين و ما فيه من إحسان و كرم و تسامح و عطاء و تواضع و أخوة إيمانية صادقة و تسابق في الخيرات و مسارعة في الخدمات الطوعية المجانية من المقارنة النوعية له مع المواسم الأخرى من الحج و غيره من الفعاليات الدينية فإنّ نقل هذا الحدث ينتهي إلى مقارنة تلقائية و إنّ تلك المواسم لا يوجد فيها هذا التطبيق العملي الشعبي للقيم الدينية من خدمة و تضحية، فإذا ما وُجد بعضه فإنّه محدود جدا.
فإذا عُلم هذا الإهمال و التعتيم العالمي و الإقليمي فإنّ مسؤولية مجتمع الأربعين من العتبات المقدسة و المواكب الحسينية و المؤسسات الدينية و مجموع الزوار و العاملين و المضيفين تزداد أهمية و مسؤولية فلا يكتفون بإظهار أعداد الزوار و عموم الزيارة فقط و إن كان مهما لبيان الأبعاد العالمية للزيارة بل أكثر من ذلك في إيصال رسائل الأربعين الإيمانية و الإنسانية لعموم العالم بالقدر المُستطاع، و نقل رسالة كربلاء في الحرية و العدالة و التضحية و الإيثار و التلاحم الإنساني لكل بقاع الأرض.
و لم يعد الإعلام محتكرا في عصر ثورة الاتصالات و النت و لم تعد العزلة الإعلامية ممكنة كما في السابق، فالإعلام الحديث و البديل كفيلٌ بإيصال هذه الزيارة و أبعادها و نقل أحداثها للعالم، فإنّ المنصات مفتوحة و تحتاج من يديرها بإتقان و مهارة و علم لإظهار عظمة الزيارة، و دروس الثورة الحسينية و أبعادها المتعددة، و يقع جزء كبير منها على القنوات الفضائية الموالية، و الإعلام الرقمي و وسائل التواصل الاجتماعي، و لا تقل مسؤولية الأشخاص عن المؤسسات فإنّ كل زائر يستطيع أن يقوم بجزء من الجهد لإيصال أبعاد الزيارة عبر هواتفهم و تجاربهم الشخصية و مشاهدهم أثناء الزيارة.
و على كل مؤمن و زائر و مسؤول و موظف و عامل و عتبة مقدسة تهيئة الوسائل اللازمة للتغطية الإعلامية الواسعة و توفير ما يلزمها من أدوات و وسائل و مقدمات، فإنّ ذلك يسهم بشكل كبير في بيان عظمة الزيارة و المُزار إلى المجتمعات المختلفة في كل مكان.
و أول ما يُرتجى نشره إعلاميا هو جوهر و روح الثورة الحسينية من إرادة الإصلاح و الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و رفض الباطل و إحقاق الحق و مقاومة الباطلين و الظالمين.
و بيان أبعاد هذه الزيارة المتعددة في ترسيخ قيم التعايش و السلام في اشتراك مختلف الأطياف و الطوائف و الديانات و الأديان و القوميات و الأعراق و الجنسيات و البلدان في حركة سلمية خالية مما يشوبها من مشاكل أو اضطراب أو نزاع في بقعة صغيرة، بل هم في إلفة و محبة و سكينة و صفاء و هذا أشبه بمعجزة لا نظير لها في العالم تتعزّز فيها قيم التسامح و الأخوة الإنسانية.
و الاهتمام و التركيز على العمل التطوعي و التكافل الاجتماعي في مجتمع الأربعين فإن مظاهر الضيافة و الخدمة فريدة في زيارة الأربعين لا يماثلها بقية أيام السنة و لا بقية بقاع الأرض من كرم و سخاء و خدمة المواكب الحسينية المجانية، يُرجى بها الأجر و الثواب من الله العزيز الكريم، فهذا نموذج عالمي وحيد تقدمه زيارة الأربعين إلى العالم كله.
و علاقة الزيارة بأمن المجتمع فإنّ هذه الزيارة بما تحتوي من ملايين الزوار الذي يفوق العشرين مليون زائر – و الذين يزيدون على مجموع سكان عدة دول مجتمعة من دول المنطقة – يعيشون مع بعضهم مع اختلاف بلدانهم و أقوامهم عدة أيام في أمن و أمان و سلم و سلام دون أية أخطار و أضرار فإنّ هذا درس كبير لأمن المجتمعات و تعايشها السلمي.
و تأثير الزيارة الأربعينية في إيجاد التكافل و التلاحم الاجتماعي و الإيماني بين الشعوب الزائرة و التعاون الثقافي و الديني بين تلك الدول و الاستفادة من ثقافات و عادات تلك الشعوب في التقدم الاجتماعي و العادات النبيلة.
و بيان التنظيم و الخدمات اللوجستية و عمليات الإمداد و النقل و التشغيل و التخزين و توزيع الأطعمة و الوجبات التي يقوم بها المؤمنون في زيارة الأربعين مع ضخامة أعداد الزوار، و أنّ هذا التنظيم الكبير للخدمات ليس بقدرة إنسانية بحتة من المؤمنين، بل هو من الله سبحانه ببركة أصحاب الزيارة مما يشكل اطمئنانا سنويا بنجاح موسم الأربعين دون أي قلق أو خشية.
و الحالة النفسية الصافية للمؤمنين المضيفين الذين يخدمون الزوار في كل مواقعهم، و منها الذين يتنازلون عن بيوتهم لعدة أيام أو يشترون بيوتا لغرض تسكين الزوار فيها دون مقابل مادي، و كيفية الوصول إلى هذه الحالة المعنوية و ما يرافقها من خدمات قد يقدمها أصحاب المنازل لضيوفهم الزوار لعدة أيام بكل أريحية و سعادة و فرح.
و الدروس الأخلاقية العملية في الزيارة و القيم الدينية التي يطبقها المؤمنون جميعا من خدمة المواكب و الزوار و مجتمع الأربعين عامة كالتواضع و الإيثار و السلم و المودة و إلغاء الطبقية و الفوارق الاجتماعية و غيرها من القيم التي يمارسها المؤمنون أثناء الزيارة.
و لم يكن هذا الإهمال الإعلامي من جهة و ما يقابله من الاهتمام من جهة أخرى جديدا على كربلاء فقد وُلد معها حين أخذ الحسين عليه السلام النساء معه و قال: «شاء الله أن يراهن سبايا»، ليرووا إلى البشرية بأجمعها الرواية الإعلامية الصحيحة و المأساة الحقيقية و أبعادها لتستفيد منها الأجيال المتعاقبة، جيل بعد جيل بوعي كامل و ثبات راسخ و علم غزير فقالت زينب عليها السلام «ما رأيت إلا جميلا»، و قالت و أكّدت و تحدّت و أثبتت و كل يوم يتأكد قولها و الحقيقة التي قالتها «فَوَ اَللَّهِ لاَ تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَ لاَ تُمِيتُ وَحْيَنَا»[1].
[1] – اللهوف في قتلى الطفوف، السيد ابن طاووس، ص ١٠٧ (فَكِدْ كَيْدَكَ وَ اِسْعَ سَعْيَكَ وَ نَاصِبْ جُهْدَكَ فَوَ اَللَّهِ لاَ تَمْحُو ذِكْرَنَا وَ لاَ تُمِيتُ وَحْيَنَا وَ لاَ تُدْرِكُ أَمَدَنَا وَ لاَ تَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا وَ هَلْ رَأْيُكَ إِلاَّ فَنَدٌ وَ أَيَّامُكَ إِلاَّ عَدَدٌ وَ جَمْعُكَ إِلاَّ بَدَدٌ يَوْمَ يُنَادِي اَلْمُنَادِي أَلاٰ لَعْنَةُ اَللّٰهِ عَلَى اَلظّٰالِمِينَ)
المصدر: صوت الجالية العراقيه