وأعلن عن ذلك، العضو في هيئة التدريس بجامعة العلوم والمعارف القرآنية في إیران "د. محسن ديمه كار" في حوار خاص له مع وكالة الأنباء القرآنية الدولية (إكنا)، متطرقًا إلى الأبعاد التاريخية والروائية لزيارة الأربعين، قائلًا: "إن نشأة زيارة الأربعين الحسيني في القرن الأول الهجري، وتحديدًا في الأربعينية الأولى بعد عاشوراء عام 61 هـ، لها أصول وسياقات تاريخية متعددة. أحد أهم أبعاد هذه الواقعة التي تعدّ نقطة انطلاق لهذه السنة الحسنة هي زيارة جابر بن عبد الله الأنصاري، أحد صحابة النبي الأكرم (ص) إلى مرقد الإمام الحسين (ع) في العشرين من شهر صفر عام 61 هـ".
واعتبر أن العامل الثاني في إحياء هذه المناسبة هو زيارة قافلة أهل البيت (عليهم السلام)، مضيفاً: "بحسب الروايات المعروفة، عند عودة الإمام السجاد (عليه السلام) والسيدة زينب (عليها السلام) وبقية أسرى كربلاء من الشام، طلبوا من دليل القافلة تغيير الطريق إلى كربلاء. ويُعدّ هذا الحدث وحضور قافلة أهل البيت (عليهم السلام) في كربلاء من الركائز الأساسية الأخرى لتعظيم يوم الأربعين في الثقافة الشيعية".
وصرّح هذا المدرس بجامعة العلوم المعارف القرآنیة أنه من أقوى وأقدم الوثائق التاريخية المتعلقة بالأربعين الحسيني هي كتاب "آثار الباقية عن القرون الخالية" لأبي الريحان البيروني. وقد ذكر أبو الريحان، الذي سعى إلى توثيق الأحداث التاريخية الهامة، صراحةً في موضوع أحداث شهر صفر من عام 61 هـ: "في اليوم العشرين من صفر، ألحق الرأس المبارك للإمام الحسين (عليه السلام) بجسده الطاهر ودُفن في نفس المكان".
وأشار عضو هيئة التدريس بجامعة العلوم والمعارف القرآنية إلى الروايات المتعددة حول دفن الرأس المطهر لسيد الشهداء (عليه السلام)، قائلاً: "إن هناك روايات حول دفن الرأس في الشام أو مصر أو النجف الأشرف، ولكن كل منها يشوبه الغموض؛ إن دفنه في مصر لايتوافق مع مسار القافلة، كما أن دفنه في الشام لايتوافق مع التراجع السياسي ليزيد".
وأضاف: "فيما يتعلق برواية دفن الرأس الشريف بجوار مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف الأشرف، يجب الانتباه إلى أن مزار الإمام علي (عليه السلام) كان مخفيًا آنذاك، ولم يُكشف للعامة إلا في عهد الإمام الصادق (عليه السلام)؛ لذا، فإن نقل الرأس الشريف إلى قبر مخفي في نطاق حكومة ابن زياد يبدو مستبعدًا. وبناء على الأسس العقائدية للشيعة، فإن تجهيز ودفن الإمام المعصوم يجب أن يتم على يد إمام معصوم. لذا، لا بد أن يكون الحاق الرؤوس المطهرة بالأجساد في كربلاء قد تم بحضور الإمام السجاد (عليه السلام) وإشرافه".
وفي معرض حديثه عن الزوار الأوائل لمرقد الإمام الحسين (ع)، قال الدكتور ديمه كار: "إن جوهر الزيارة الأربعينية ودلالتها الأساسية يكمن في تلاقي زيارة جابر بن عبدالله الأنصاري، وحضور قافلة أهل البيت (عليهم السلام)، والحاق الرؤوس المطهرة إلی الأجساد الطاهرة".
وأضاف أن "الروايات المتعلقة ببكاء السماء والأرض أربعين يومًا على مصيبة استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) تتوافق أيضًا مع فترة الأربعين يومًا حتى الحاق الرؤوس المطهرة للشهداء ودفنها بالكامل في العشرين من صفر. تعتبر زيارة كربلاء في هذا اليوم واحدة من أولى الاجراءات الامامية للإمام السجاد (عليه السلام)، كما أن سنة السير على الأقدام في الأربعين هو نوع من تجديد العهد والتعاطف الرمزي مع معاناة قافلة الأسرى على هذا الطريق.
وفي الختام، ذكّر دیمهکار بصعوبات زيارة الأربعين الحسيني خلال فترة نظام البعث في العراق، قائلاً: "في زمن حكم صدام، كان زوّار الامام الحسين(ع) يتحملون أقسى الضغوط حیث يختبئون لأيام في بساتين النخيل، ويمشون ليلاً عبر طرق فرعية نحو كربلاء المقدسة"، مصرحاً أن "هذا الصمود والعشق التاريخي أدى إلى أن تصل مسيرة الأربعين بعد سقوط نظام البعث إلى الازدهار المنقطع النظير اليوم، وتتحول إلى واحدة من أكبر التجمعات الروحية والحضارية في العالم الإسلامي".