ایکنا

IQNA

التسبيح إعلانٌ لتنزيه الله عن كل نقص

19:43 - August 06, 2026
رمز الخبر: 3505824
التسبيح إعلانٌ لتنزيه الله عن كل نقصبقلم الباحث اللبناني في الدراسات الدينية "السيد بلال وهبي"

قال الله تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴿48﴾ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ﴿سورة الطور: 49﴾
 
بهذا الأمر يختتم الله سورة الطور، التي عرضت سلسة طويلة من شبهات المشركين وافتراءاتهم على الرسول الأعظم (ص)، وتكذيبهم بالوحي، وتآمرهم عليه وعلى أتباعه، وكيدهم له ولهم، وجميع ذلك يتطلب منه (ص) ومن المؤمنين الصبر، الذي هو من الإيمان كالرأس من الجسد، والسلاح الذين لا يستغني عنه المؤمنون مهما امتلكوا من قوة.
 
الملفت في الأمر أن الله سبحانه لم يقل لرسوله (ص) واصبر على أذى قومك، وإنما قال: "وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ" وفي هذا توجيه دقيق يغيِّر نظرة المؤمن إلى الأحداث كلها، فالأذى الذي يناله من قومه ويتحمَّلون مسؤوليته، لكنه أيضًا ابتلاء من الله، تقتضيه طبيعة الصراع بين الحق والباطل، وبكلمة أخرى: لا يمكن في سُنَّة الله أن يكون صراع بين الحق والباطل دون أذى، ودون أثمانٍ وأكلاف، هذا هو حكم الله أجراه في عباده، وتلك هي سُنَّته الجارية في الصراع الأبدي بين الحق والباطل، لحكمة يعلمها، فالذي يؤمن بأن ما يجري إنما يجري بإذن الله، وأن الله يدبر الأمور بعلمه وحكمته، يكون صبره أعمق وأثبت، لأنه لا يقف عند الأسباب الظاهرة، وإنما ينظر إلى مسبب الأسباب.
 
والصبر على "حكم الله" هو الثبات على طريق الحق حتى يحكم الله بين عباده. فقد يتأخر النصر، وقد يشتد البلاء، وقد يطول أمَد المحنة، لكن المؤمن يعلم أن توقيت الفرج ليس إليه، وإنما هو إلى الله، وأن الله يجري الأمور وفق حكمته، حتى إذا اكتملت أسبابها جاءت في الوقت الذي أراده سبحانه.
 
ولذلك جاء التعليل مباشرة بقوله: "فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا"، وهي من ألطف التعابير القرآنية وأبلغها في بث الطمأنينة في قلب رسول الله (ص)، ومن ورائه قلوب المؤمنين جميعًا. فإن الله يعلم كل شيء يحدث له وللمؤمنين، ومع علمه بذلك يحيطهم جميعا بالرعاية، والحفظ، والعناية، والتأييد، والتسديد. فالله تعالى يقول لرسوله (ص): أنت لست وحدك في هذه المعركة، ولسـت متروكًا لأعدائك، بل أنت في حفظنا، وتحت رعايتنا، لا يغيب عنا شيء من شأنك، ولا يخفى علينا ما يفعله الأعداء بك.
 
وما أحوج المؤمن إلى هذا المعنى حين تشتد عليه الخطوب. فكثيرًا ما يشعر المؤمنون اليوم وهم يعبرون هذه المحنة العظيمة أنهم تُرِكوا وحدهم، وأنهم يواجهون الأحداث أعداءهم منفردين، فتأتي الآية الكريمة لتؤكد لهم بشكل قاطع أنهم ليسوا وحدهم أبدًا، بل إنهم بعين الله وفي رعايته، لا يعني ذلك أنهم لن يُبْتَلَوا، ولن يواجهوا مِحنًا ومصاعب، ولكن ما يجري عليهم لا يخرج عن دائرة رعاية الله لهم.
 
ثم يوجِّه الله نبيه الأكرم (ص) إلى المصدر الذي يستمد منه القوة والعزيمة والثبات، فيقول: "وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ". وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا اختار القرآن التسبيح دون غيره من أنواع الذكر؟

لأن التسبيح في حقيقته إعلانٌ لتنزيه الله عن كل نقص، وعن كل ما قد يتوهَّمه الإنسان عند اشتداد المحن. فالعبد إذا رأى الباطل ينتفش وينتشر، والظالم يتجبَّر ويطغى، والمؤمن يبتلى ويُصاب بالمصائب، قد يخطر في نفسه - لولا الإيمان - أن الله ترك عباده لمصيرهم، فيأتي التسبيح ليقطع هذه الوساوس من أصلها، فيقول المؤمن: "سبحان الله" أي إنَّ ربي مُنَزَّه عن الظلم، ومنزَّه عن الغفلة، ومنزَّه عن العجز، ومنزَّه عن أن يجري في ملكه شيء بغير علمه وحكمته. على أن التسبيح ليس مجرد ألفاظ تُقال، بل هو تصحيح دائم لرؤية الإنسان لله، وللأحداث التي تدور حوله.
 
ولهذا قرن الله التسبيح بالحمد، فقال: "وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ"، لأن المؤمن لا ينزه الله وحسب، بل يحمده أيضًا على قضائه، سواء وافق هواه أو خالفه، لأنه يعلم أن وراء كل تدبير إلهي حكمة ورحمة، وإن خفيت عليه في أول الأمر.
 
ولم يترك القرآن هذا التسبيح مطلقًا، بل اختار له أوقاتًا ذات دلالة مهمَّة، فقال: "حِينَ تَقُومُ"، ثم قال: "وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ".
 
فأما "حِينَ تَقُومُ"، فهي تشمل كل قيامٍ يستقبل به الإنسان عملًا جديدًا، قيامه من نومه، وقيامه إلى الصلاة، وقيامه من مجلسه، وقيامه لمهامّه في الحياة. فالمؤمن يبدأ كل حركة في حياته بذكر الله، حتى لا يدخل عملًا بقلب غافل، ولا يواجه الناس معتمدًا على نفسه، بل يبدأ يومه، وأعماله، ومسؤولياته، وهو موصول بالله.
 
وأما الليل، فهو زمن الخَلوة، فيه يخلو القلب من كثير مِمّا يشغله في النهار، فيكون أقرب إلى الإخلاص، وأقدر على المناجاة، وأهيأ لتلقي الفيض الإلهي. ولذلك كانت صلاة الليل تحفة الأنبياء والأولياء ، ومنها كانوا يستمدون القوة التي يواجهون بها أعباء النهار.
 
ثم خصَّ الله آخر الليل بقوله: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾، وهو الوقت الذي تنصرف فيه النجوم، ويبدأ الفجر في الظهور. وهذا من ألطف التصوير القرآني: ففي اللحظة التي ينقضي فيها سلطان الظلام، ويتهيأ الكون لاستقبال النور، يكون المؤمن واقفًا بين يدي ربه، يسبِّحه ويحمده. وهذا ربط عجيب بين طلوع الفجر في الآفاق، وطلوع النور في القلوب، وبين انقضاء ظلمة الليل، وانقضاء ظلمات اليأس والخوف.
captcha