ایکنا

IQNA

الغرور بالقوة هو أول طريق الهزيمة

14:53 - August 08, 2026
رمز الخبر: 3505843
الغرور بالقوة هو أول طريق الهزيمةبقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية "السيد بلال وهبي"

قال الله سبحانه وتعالى: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴿44﴾ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴿سورة القمر: 45﴾.
 
يغترُّ الطغاة في كل زمان ومكان بما يملكون من أسباب القوة، فيحسبون أن كثرة جندهم، وضخامة عتادهم، وتعدد حلفائهم، كفيلة بأن تمنحهم النصر الدائم، وأن تجعلهم بمنأى عن الهزيمة. فإذا اجتمعت لهم القوة العسكرية، والهيمنة الاقتصادية، والدعاية الإعلامية، ظنوا أن الأمور قد استوت لهم، وأن أحدًا لن يستطيع مواجهتهم. ومن هنا تكثر حروبهم، وتتسع دائرة عدوانهم، ويزداد بطشهم، لأنهم يقيسون الأمور بما في أيديهم من أسباب مادية، ويغفلون عن السنن الإلهية التي تحكم حركة التاريخ.

القرآن الكريم يحكي منطق الطغاة هذا، ويقدّمه على أنه وهم من الأوهام، ليس له من الحقيقة نصيب، ثم يهدمه من أساسه، فيقول: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾. إنهم يرون أن انتصارهم أمر لا يقبل حتى الاحتمال الآخر، ويرون أنفسهم كتلةً لا تُقهر، ويحسبون أن كثرتهم تمنع عنهم الهزيمة، وأن ما بين أيديهم من وسائل البطش كافٍ لإخضاع كل من يعارضهم، ومن هنا أظهر طاغية عصرنا (ترامب) صدمته من صمود إيران وعدم استسلام بعد أيام على بدء حربه المجرمة عليها.
 
إن الله تعالى يجيبهم بكلمة واحدة تقطع الطريق على كل هذا الغرور: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. وقد أثبتت التجربة التاريخية بشكل قاطع أن القلة المؤمنة الموقنة الثابتة على منهاج ربها هي التي تغلب الكثرة الطاغية نهاية المطاف.
 
﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. ليس هذا أمنية من الأماني، ولا تحليلًا سياسيًا، ولا توقعًا عسكريًا، وإنما وعد إلهي قاطع جازم، وقد نزلت هذه الآية في وقتٍ كانت فيه الكفَّة الظاهرة تميل إلى المشركين، وكان المسلمون قلةً مستضعَفة، حتى إن كثيرًا من منهم لم يكونوا يتصورون كيف يمكن أن تتحقق هذه البشارة، ثم جاءت معركة بدر، فكانت أول مصداق لهذا الوعد، وانهزم الجمع الذي كان يظن أنه لا يُغلَب، وفرَّ من كان يتباهى بقوته وعدده، ليبقى هذا الوعد شاهدًا على أن موازين الله ليست هي موازين البشر.
 
غير أن الآية لا تتحدث عن بدر وحدها، وإنما تقرِّر سنةً ربانيةً تجري مع الزمان والمكان وهي أن قوة الباطل سبب لهزيمته، مهما بلغت من الضخامة، وحين تتحول القوة إلى أداة للظلم والعدوان والطغيان، فإنها تحمل في داخلها أسباب سقوطها، لأن الله سبحانه لا يترك الظالمين إلى ما لا نهاية، بل يمهلهم حتى تستكمل السُّنّن أسبابها، "فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ" ﴿سورة النحل: 26﴾.
 
إنّ الغرور بالقوة هو أول طريق الهزيمة، فالذين قالوا: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ كانوا يرون الكثرة ضمانًا للنصر، بينما يعلمنا القرآن أن النصر لا يُولد من العدد وحده، وإنما من اجتماع الإيمان، والبصيرة، والصبر، والأخذ بالأسباب، مع التوكل على الله. وكما قال سبحانه: "كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ" ﴿سورة البقرة: 249﴾. وكم من جيوش عظيمة تهاوت في ساعات، لأنها فقدت العنصر الذي تقوم عليه الحياة الحقيقية للأمم، وهو العدل والحق.
 
ومن هنا ينبغي أَلَّا يقع المؤمنون في الوهم المقابل، فلا يظنوا أن ضَعفهم المؤقِّت يعني هزيمتهم النهائية، كما لا يظنوا أن قوة أعدائهم دليل على دوام سلطانهم، "وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ..."﴿سورة آل عمران: 140﴾. والله تعالى هو الذي يقلب الموازين حين يشاء، ويجعل من أسباب القوة نفسها أسبابًا للانهيار، ومن مواطن الضعف بداياتٍ للنهوض.
 
ولهذا فإن واجب المؤمنين ألَّا يستسلموا لهيبة القوة الظاهرة لدى أعدائهم، وأَلَّا ييأسوا من واقعهم، وأن يعدُّوا -امتثالًا لأمر الله- ما استطاعوا من أسباب القوة، وأن يبنوا مجتمعهم على الإيمان، والوحدة، والصبر، والثبات، وأن يبقى يقينهم معلَّقًا بوعد الله لا بحسابات البشر. فالسنن الإلهية لا تلغي الأسباب، لكنها تجعلها خاضعة لإرادة الله، لا حاكمةً عليها.
 
وما أحوجنا اليوم إلى استحضار هذه الحقيقة، ونحن نرى طغاة الأرض يتباهون بما يملكون من جيوش، وأساطيل، وتحالفات، وتقنيات، ويظنون أن ذلك كفيل بإخضاع الشعوب، وإطفاء نور الحق، وإدامة سلطان الباطل، لكن المؤمن الذي يقرأ سُنَنَ الله بعين اليقين، يعلم أن هذه المشاهد ليست جديدة، وأنها تكرَّرت عبر التاريخ مرات لا تُحصى، وكانت نهايتها واحدة: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾.
captcha