ایکنا

IQNA

12:05 - August 09, 2026
رمز الخبر: 3505855

تأخير العقوبة جزء من التدبير الإلهي

بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي

تأخير العقوبة جزء من التدبير الإلهي
قال الله سبحانه وتعالى: "...وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" ﴿سورة الحديد: 4﴾
 
حين تتعاظم المصائب، وتشتد الفتن، ويستطيل الظالم في ظلمه، ويعلو الطاغية في طغيانه، يُراوِدُ المؤمنين سؤالٌ قد لا يجرؤون على التلفظ به، لكنهم يهمسون به في أعماقهم: أين الله مِمّا يجري علينا؟ إن كان الله معنا، فلماذا كل هذا الألم؟ ولماذا يمهل الظالمين، ويترك الأبرياء يعانون؟ ولماذا يبدو أن الباطل ينتصر، والحق يتراجع؟

تلك هي طبيعة النفس البشرية عندما تضيق بها الأسباب، وتغشاها سُحُبُ المِحن، حتى لتكاد تحجب عنها نور اليقين، هنا يعيد الله تعالى صياغة رؤيتنا من جديد، بإعادة تعريف العلاقة بيننا وبينه، فيقول سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
 
إن أول ما تقرِّره الآية أن الله لا يغيب عن عباده لحظة واحدة.  "...لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ..."﴿سورة البقرة: 255﴾. فهو مع عباده في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل حال. لا يحجبه عنهم شيء. إنه معهم جميعًا، والمعية هنا ليست مرتبطة بمكان، لأن الله سبحانه ليس محصورًا في مكان حتى يقترب أو يبتعد، وإنما هي معية الإحاطة المطلقة، التي لا يخرج عنها شيء في الوجود.
 
إنَّ هذه المعية حضور إلهي يقتضي العلم، والقدرة، والتدبير، والقيوميّة، فالله هو القيُّوم على الكون، يحفظه، ويدبِّر أمره لحظة بلحظة. ووجود الخلق نفسه قائم بإمداده سبحانه، ولو انقطع عنه فيض ربه طرفة عين لما بقي له وجود.
 
ومن هنا يتبين أن السؤال: أين الله مما يجري علينا؟ سؤال يحتاج إلى تصحيح في أصل تصوره. فالله لا يغيب حتى نبحث عنه، وإنما الغائب هو شعورنا بمَعِيَّته. فالمِحنة قد تحجب البصيرة، لكنها لا تغير الحقائق.
 
غير أن السؤال الأصعب يبقى حاضرًا: إذا كان الله معنا، فلماذا لا يمنع الظالم من ظلمه؟
 
والجواب: إن مَعِيَّة الله لا تعني تعطيل سننه في الكون. فقد شاء سبحانه أن يجعل الدنيا دار ابتلاء، لا دار جزاء. ولو كان كل ظالم يؤخَذ في اللحظة التي يظلم فيها، لما بقي معنى للاختيار، ولا للامتحان، ولا للصبر، ولا للجهاد، ولا لظهور معادن الناس. إن إمهال الظالم ليس إهمالًا له، وإنما هو جزء من حكمة الامتحان، وتأخير الحساب إلى الموعد الذي لا يظلم فيه أحد. ولهذا ختمت الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، فكل دمعة يراها الله، وكل صرخة يسمعها، وكل ظلم يحصيه، وكل قطرة دم سُفكت بغير حق محفوظة عنده، لا تضيع.
 
إنَّ كثيرًا من الناس يظنون أن العدل الإلهي لا يكون إلا بالعقوبة العاجلة، بينما يعلِّمنا الله تعالى أن تأخير العقوبة لا يعني سقوطها، وإنما هو جزء من التدبير الإلهي الذي يرى الإنسانُ أوَّلَه، ولا يرى آخره.
 
ولكن يبقى السؤال العملي: كيف نجد معيَّة الله في حياتنا؟

إن معية الله تُدرك بآثارها، نجدها حين نجد في قلوبنا سكينة لا تفسِّرها الأسباب، وقد كانت الظروف كلها تدعو إلى الانهيار. ونجدها حين تنفتح أمامنا أبواب لم نكن نتوقعها، بعد أن أغلقت في وجوهنا جميع الأبواب. ونجدها حين يمنحنا الله قوة على الاحتمال، مع أن البلاء نفسه لم يتغير. ونجدها حين يحفظ الله الإيمان في قلوبنا وسط الفتن، فنخرج من المِحنة أكثر قربًا منه، لا أكثر بعدًا عنه، وهذه جميعًا من أعظم صور المَعيَّة الإلهية.
 
حين يستحضر المؤمن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، يدرك أن الله معه في خَلوته كما هو معه في ساحات الصراع مع الظالمين، معه في لحظة قوته كما في لحظة ضَعفه، معه في فرحه كما في حزنه.
 
وهنا تتحول المعية من فكرة عقدية إلى طاقة روحية هائلة، فهي تمنح المؤمن طمأنينة لأنه ليس وحيدًا، وتمنحه شجاعة لأنه ليس متروكًا، وتمنحه مراقبة دائمة لأنه يعلم أن الله يراه، كما تمنحه أملًا لا ينقطع، لأنه يوقن أن ربه يدبِّر الأمر كله بعلم لا يخطئ، وحكمة لا تغيب، ورحمة لا تنفد.
 
فإذا سألت وأنت في المحنة يومًا: أين الله؟ فليكن جوابك لنفسك: هو معي، لم يغب لحظة، وإنما أنا الذي أحتاج أن أفتح بصيرتي لأشهد آثار مَعِيَّته، فليس أعظم من أن يمضي الإنسان في أشَدِّ طرق الحياة ظلمة، وهو على يقين أن ربه معه، يسمعه، ويراه، ويعلم حاله، ويدبِّر أمره، وأن ما عند الله من عدل ورحمة وحكمة، أكبر مما تدركه الأبصار المحدودة، وأوسع مما تستوعبه اللحظة العابرة.
captcha