ایکنا

IQNA

11:45 - August 14, 2026
رمز الخبر: 3505913
أكاديمي وخطيب حسيني عراقي في حوار لـ"إکنا":

إعادة المسلمین إلى المرجعية القرآنية هي المرتكز الرئيسي لمنهج الامام الرضا(ع) في التقريب

النجف الأشرف ـ إکنا: أكد "الشيخ الدكتور حيدر الشمري" أن إعادة المسلمين إلى المرجعية القرآنية والقيم الإسلامية المشتركة هي المرتكز الرئيسي لمنهج الامام الرضا(ع) في التقريب بين المذاهب الاسلامية، مصرحاً أن التجربة الرضوية في الحوار مع علماء الأديان تقدّم لنا نموذجاً متكاملاً يمكن أن نسميه "الحوار القائم على المعرفة والبرهان والاحترام".

إعادة المسلمین إلى المرجعية القرآنية هي المرتكز الرئيسي لمنهج الامام الرضا(ع) في التقريب
إننا نعتقد أن سيرة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) تمثل مرحلة بالغة الأهمية في تاريخ الفكر الإسلامي؛ لأنها جاءت في عصر شهد انفتاحاً واسعاً على الثقافات والأديان والفلسفات المختلفة، ونشاطاً ملحوظاً في الترجمة والمناظرات الفكرية، وفي هذا المناخ لم يتعامل الإمام الرضا (ع) مع الاختلاف بوصفه سبباً للانغلاق، وإنما حوّله إلى فرصة لإظهار قوة البرهان الإسلامي، وترسيخ ثقافة الحوار، والدفاع عن أصالة الوحي والعقل معاً.

وبمناسبة ذكرى استشهاد الامام الرضا(ع)، أجرت وكالة الأنباء القرآنية الدولية(إکنا) حواراً مع الخطيب الحسيني والأستاذ في الحوزة العلمية، وأستاذ الفكر السياسي بجامعة الامام الصادق(ع) في العراق "الشيخ الدكتور حيدر الشمري".
 
فيما يلي نصّ الحوار:

ما الطريقة التي كان يستخدمها الإمام الرضا (ع) عادةً في مناظراته مع أتباع الأديان الأخرى لإثبات أحقية الإسلام؟

إن من أبرز خصائص منهج الإمام الرضا (عليه السلام) في المناظرة أنه لم يكن يبدأ بإلزام الآخر بما يؤمن به الإمام(ع)، بل كان يحاجج كل طرف من داخل منظومته المعرفية والدينية؛ أي يحتج على أهل التوراة بالتوراة، وعلى أهل الإنجيل بالإنجيل، وعلى أصحاب الاتجاهات العقلية بما تقبله عقولهم من البرهان. وهذا المنهج هو مصداق لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].

ويظهر هذا المنهج بشكل واضح عند النظر الى مناظراته مع الجاثليق ورأس الجالوت وعِمران الصابئ وغيرهم، فالإمام(ع) كان يمتلك معرفة واسعة بعقائد الآخرين ونصوصهم، ولذلك لم يكن الحوار عنده قائماً على الشعارات أو الانفعال، وإنما على المعرفة والبرهان وفهم الآخر قبل محاورته.

إستناداً إلى سيرة الإمام الرضا (ع) في المناظرة، ما الحل العملي لمواجهة تحديات «حوار الأديان» اليوم في العالم الحديث؟

أعتقد أن التجربة الرضوية تقدّم لنا نموذجاً متكاملاً يمكن أن نسميه «الحوار القائم على المعرفة والبرهان والاحترام»، فالمشكلة في بعض أشكال حوار الأديان المعاصر أنها تتحول أحياناً إلى مجاملات دبلوماسية، بينما الحوار الحقيقي لا يعني إلغاء الاختلاف، وإنما يعني إدارة الاختلاف بصورة عقلانية وأخلاقية، والقرآن الكريم وضع أساساً مهماً لذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64].

ومن سيرة الإمام الرضا (ع) يمكن استخلاص مجموعة من القواعد العملية: ينبغي معرفة الآخر معرفة حقيقية، والعودة إلى المشتركات، واعتماد البرهان بدلاً من الاتهام، واحترام كرامة المحاور، والتمييز بين نقد الفكرة والإساءة إلى صاحبها.
 
فالعالم المعاصر وبالأخص، مع تصاعد خطاب الكراهية والإسلاموفوبيا والتطرف الديني، يحتاج إلى هذا النموذج أكثر من أي وقت مضى. فالحوار المطلوب ليس حواراً يذيب الهويات، وإنما حواراً يجعل الاختلاف مساحة للتعارف بدلاً من أن يتحول إلى ذريعة للصراع، وهو ما ينسجم مع قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13].
 
ما أهم استراتيجيات التقريب بين المذاهب الاسلامية في سيرة الإمام الرضا (ع)؟

يمكن الحديث عن عدة مرتكزات في المنهج الرضوي للتقريب، وفي مقدمتها إعادة المسلمين إلى المرجعية القرآنية والقيم الإسلامية المشتركة، فالتقريب لا يعني إلغاء المذاهب، ولا مطالبة أحد بالتنازل عن قناعاته، وإنما يعني منع الاختلاف العلمي والفقهي والكلامي من التحول إلى صراع اجتماعي وعداء وتمزيق للأمة.

وهناك جملة من الاستراتيجيات التي يمكن استلهامها من سيرته (ع):

تقديم المشتركات على نقاط النزاع، ولا سيما القرآن الكريم، ورسالة النبي الأكرم (ص)، والقبلة، والقيم الأخلاقية الكبرى.

إدارة الخلاف بالعلم والحجة؛ لأن كثيراً من الصراعات المذهبية تتغذى من الجهل المتبادل.

إحترام المخالف وعدم إهانته؛ فالقرآن نفسه يقول: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 108].

التمييز بين الخلاف العلمي والصراع السياسي؛ فكثير من النزاعات التي تبدو مذهبية تكون في حقيقتها توظيفاً سياسياً للدين والمذهب.
إعادة المسلمین إلى المرجعية القرآنية هي المرتكز الرئيسي لمنهج الامام الرضا(ع) في التقريب
ما الدور الذي لعبته مناظرات الإمام الرضا (ع) في ترويج مدرسة التشيع وتشكيل الحضارة الإسلامية؟

تأتى أهمية مناظرات الإمام الرضا (ع) لكونها نقلت مدرسة أهل البيت (ع) من مجرد حضور ديني واجتماعي إلى حضور معرفي واسع في المجال الفكري الإسلامي، فقد أثبت الإمام(ع) من خلال تلك المناظرات أن مدرسة أهل البيت(ع) ليست مدرسة عاطفة وولاء فحسب، وإنما هي أيضاً مدرسة عقل وبرهان ومعرفة. فقد أسهمت مناظراته مع علماء الأديان وأصحاب الاتجاهات الفكرية المختلفة في تقديم صورة للإمام(ع) بوصفه مرجعاً معرفياً قادراً على مخاطبة المسلم وغير المسلم، والمتكلم والفيلسوف وصاحب الكتاب.

وهذا مهم جداً في صناعة الحضارة؛ لأن الحضارة لا تُبنى بالقوة المادية وحدها، وإنما تبنى أيضاً بالقدرة على إنتاج المعرفة وإدارة التنوع والإجابة عن الأسئلة الكبرى التي تواجه الإنسان، ولذلك أسهم الحضور العلمي للإمام الرضا (ع) في ترسيخ موقع مدرسة أهل البيت داخل الفضاء الفكري الإسلامي، وفي تعزيز مكانة العقل والمناظرة والبرهان ضمن الثقافة الإسلامية.

ما الأساليب التي اتخذها الإمام الرضا (ع) لمحاربة النفاق المتطرف والانحراف الفكري في المجتمعات؟

لقد واجه الإمام الرضا (ع) الانحراف على مستويين متكاملين: الانحراف الفكري، والانحراف السياسي- الأخلاقي.

فعلى المستوى الفكري واجه الشبهات بالحجة والبرهان والتعليم، ولم يعتمد التكفير أو التخوين بديلاً عن المعرفة، ولذلك كانت المناظرة وسيلة لكشف الخلل الفكري وإعادة بناء الوعي، أما على المستوى السياسي، فإن تجربة ولاية العهد تكشف مقدار وعي الإمام بتعقيدات السلطة ومحاولات توظيف الرمزية الدينية، إذ تعامل مع الواقع السياسي بحذر شديد، وحافظ على استقلال هويته وموقفه، ولم يسمح بأن تتحول مكانته الدينية إلى غطاء يمنح الشرعية المطلقة للسلطة.

وهذا مما يعطي درساً بالغ الأهمية، على أخطر أنواع الانحراف ليس الانحراف الذي يعلن نفسه صراحة، وإنما الانحراف الذي يرتدي لباس الدين والحقيقة والمصلحة العامة. ولذلك كانت المواجهة الرضوية تقوم على بناء الوعي؛ لأن المجتمع الواعي يصعب تضليله بالشعارات.

كما أن الإمام(ع) واجه التطرف بمنهج العلم والحوار، وهذه قضية مهمة في عالمنا المعاصر؛ فالتطرف لا يُهزم أمنياً فقط، وإنما ينبغي أن يُهزم معرفياً وفكرياً وأخلاقياً، وإذا لم نعالج البيئة الفكرية التي تنتج التطرف، فقد نعالج مظاهره بينما تبقى جذوره قادرة على إنتاجه مرة أخرى.

ومن هنا نستطيع أن نستخلص من مدرسة الإمام الرضا (ع) ثلاثية متكاملة في مواجهة الانحراف: العلم في مواجهة الجهل، والحوار في مواجهة التعصب، والوعي في مواجهة التضليل.
captcha