ایکنا

IQNA

21:36 - August 20, 2026
رمز الخبر: 3506008

الرحمة الإلهية فيض ورعاية وإمداد

بقلم الباحث اللبنانی فی الدراسات الدینیه "السيد بلال وهبي"

الرحمة الإلهية فيض ورعاية وإمداد

قال الله تعالى: "قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ"(سورة الملك: 29).

تقرر الآية الكريمة الموقف الذي ينبغي أن يكون من المؤمنين أمام المعتقدات الباطلة، والقيم الشيطانية السافلة، وهو أن يعلنوا إيمانهم بوضوح تام لا لبس فيه، وليجاهروا بمواقفهم، يعلنوا للعالم أجمع، أنه بعد ثقتهم بدينهم، وقيامهم إلى واجبهم، وتهيئتهم ما يستطيعون من أسباب القوة وعناصر الاقتدار، أنهم يعتمدون على الله تعالى، ويتوكَّلون عليه، وكلهم يقين أن الله يرعاهم ويدافع عنهم، وأنه سيُظهِر حقهم، واستقامة طريقهم، وسلامة منهاجهم، وسيبطل الباطل ويزهقه.

لقد كان المشركون يرون أن الرسول الاعظم (ص) قد ضلّ عن دين آبائه، وخرج عن معتقداتهم وتقاليدهم، وأن ما يدعو إليه إنما هو انحراف عمّا ألفوه وورثوه، وفي مواجهة هذا الاتهام، يعلّم اللهُ رسولَه كيف يعلن موقفه بوضوح وثبات: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

ولنتأمل -قارئي الكريم- التعبير القرآني: *﴿هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ ﴾* فما سِرُّ اختيار اسم الرحمن؟

الجواب: من المقطوع به أن التعابير القرآنية لا تأتي جزافًا، والله سبحانه لا تعوزه الكلمات ولا العبارات، فكل كلمة أو عبارة تأتي في موضعها، ولا يمكن أن تحلّ مكانها كلمة أخرى، ولهذا ذهب الكثير من العلماء إلى نفي أن يكون في القرآن مترادفات، وعليه، فإن استعمال اسم (الرحمن) جاء في موضعه ولا يجيء غيره مكانه، فالذي نؤمن به هو الرحمن، الذي وسعت رحمته جميع خلقه، وأفاض عليهم من نعمه، وهيّأ لهم في وجودهم ما يعينهم على السير في الطريق الذي أراده لهم، فالرحمة الإلهية ليست عاطفة مجردة، وإنما هي فيض ورعاية وإمداد، ومن مقتضياتها أن يفتح الله للإنسان طريق الهداية، ويهيئ له من أسباب الوجود والنمو والتكامل ما يستطيع به أن يسلك هذا الطريق.

ومن هنا يأتي الإعلان الحاسم: *﴿آمَنَّا بِهِ﴾* إنه إيمان بالرحمن الذي لا يُخلينا من رعايته وعنايته وألطافه الظاهرة والخفية، وإنه لإيمان عميق، ويقيني، ناشئ من قناعة عقلية، وانعقاد في القلب، وتشهد له التجربة الممتدة التي تؤكِّد أننا كنا وما زلنا في كنف الله وحمايته وهدايته وتسديده. 

وفي هذا الإعلان معنى آخر بالغ الأهمية وهو: الإيمان ليس عقيدة تستقر في القلب وحسب، وإنما هو تحديد للمرجعية التي يصدر عنها الإنسان في رؤيته للحياة وموقفه منها. فإذا كان الرحمن هو الذي آمنّا به، فهو تعالى مرجعيتنا، ورضاه محور حياتنا، والإيمان به هو الذي يحدِّد رؤيتنا للحياة، وشريعته هي التي تحدد موقفنا مما يكون، وجميع ذلك ناشئ من الرحمة، ومحكوم بالرحمة، وغايته الرحمة.

ثم تنتقل الآية من الإيمان إلى التوكل: *﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾*. وهنا يتكامل الموقف العَقَدي السليم، فالإيمان يحدد من نؤمن به، والتوكل يحدد على من نعتمد. فقد يؤمن الإنسان بالله من حيث الاعتقاد، لكنه يعتمد على ماله، أو قوته، أو جماعته، أو تأثيره الاجتماعي، أما المؤمن الذي يتوكَّل على الله فإنه لا يُنكِر الأسباب المادية والمعنوية المألوفة، لكنه لا يمنحها موقع الربوبية في قلبه، يأخذ بها، لكنه لا يتكئ عليها استقلالًا عن الله.

ولذلك يحمل هذا التعبير تعريضًا واضحًا بالمشركين الذين جعلوا قوتهم المادية وكثرة أموالهم وأولادهم مصدرًا للثقة والاطمئنان. أما المؤمن، فإنه يرى الأسباب، لكنه يرى وراء الأسباب مسببها، ويعمل في الواقع، لكنه لا يفقد اتصاله بالرحمن.

وهذا هو الهدى بعينه، يقابله الضلال الذي قد يحسب أهله أنهم على هدى، أو يغفلون عن ضلالهم بسبب إلفتهم له، لكن سريعًا ما ينكشف لهم كم كانوا خاطئين ضالِّين، فالأيام كفيلة بأن تشهد للمؤمنين أنهم على الحق، وتشهد على الكافرين الجاحدين بأنهم على الضلال.

ومحصَّل الكلام أن الآية الكريمة تبني في الإنسان وضوح الإيمان، واستقلال الموقف، وصدق التوكل. وفي عالم تتغير فيه المعايير بسرعة، فإن أعظم ما يحتاجه الإنسان أن يعرف: من الذي يؤمن به، وعلى من يتوكل.

captcha