رئيس "مؤسسة الحكمة والفلسفة" في ايران: تطوير العلوم الإنسانية يتم بالعقلانية الإسلامية
طهران-ايكنا: أشار حجة الإسلام «خسروبناه» إلي وجود ثلاثة تيارات في العالم الإسلامي هي: "التنوير" و" التقليد" و"العقلانية الإسلامية"، مضيفاً أن العقلانية الإسلامية هي الأداة الرئيسية للإستفادة الأمثل من العلوم الإنسانية وتوطينها وأسلمتها إذ أنها تعرف الغرب وتنظر إليه بنظرة إنتقائية-إنتقادية، وتتمتع بفلسفة إسلامية.
أفادت وكالة الأنباء القرآنية العالمية (ايكنا) أنه عقد في "معهد العلوم الإنسانية والدراسات الإجتماعية" للبحوث التابع للجهاد الجامعي، يوم الأربعاء الماضي 13 فبراير، الإجتماع الرابع من سلسلة إجتماعات "إنتهاء الحداثة واستدامة الثورة الإسلامية " تحت عنوان "مسار إدارة ومنهجية تطوير العلوم الإنسانية"، وذلك بحضور رئيس "مؤسسة الحكمة والفلسفة" للبحوث في ايران حجة الإسلام والمسلمين «عبدالحسين خسروبناه».
وفق التقرير أنه أشار حجة الإسلام «خسروبناه» في كلمة له إلي أن هناك ثلاث معاني تطرح حول مصطلح "العلوم الإنسانية" أولها أن العلوم الإنسانية تطلق علي كل علم يتعلق بالإنسان، والثاني أن العلوم سوي الهندسة والطب والعلوم الأساسية فهي إنسانية، والثالث أن العلوم الإنسانية تقتصر علي العلوم السلوكية والإجتماعية، مضيفاً أن تطوير العلوم الإنسانية يتطلب إعتبارها قضية أعم من العلوم السلوكية والإجتماعية.
فيما يتعلق بـ"مهنجية العلوم الإنسانية" قال رئيس "مؤسسة الحكمة والفلسفة" للبحوث: في رأيي أنه لايمكن تقديم منهجية واحدة للعلوم الإنسانية بمعناها العام" إذ أن العلوم الإنسانية لها نطاق واسع يشمل العلوم النقلية والأدبية والعقلية إضافة إلي العلوم السلوكية والإجتماعية فكل من هذه العلوم له منهجية تختص به.
المنهجية توجّه إدارة البحث وإنتاج العلم
وأكّد حجة الإسلام «خسروبناه» أن التطور يكون جزءاً من ذات العلم، وطرح هذا السؤال "هل يمكن إدارة تطوير العلم أم لا؟" وأجابه بـ"النعم"، قائلاً: المنهجية هي التي ترشدنا إلي تقديم النظريات بشأن إدارة البحث وإنتاج العلم.
واعتبر "الإستفادة الأمثل"، و"التوطين" و"الأسلمة" ثلاث خطوات يجب إتخاذها في إدارة عملية تطوير العلوم الإنسانية، قائلاً: فيما يتعلق بـ"الإستفادة الأمثل" التي تضطلع الفئات العلمية والإدارة العامة لوزارة العلوم والبحوث والتقنية بدور أكبر في تحقيقها، يجب الإهتمام بمختلف فروع العلوم الإنسانية وعناوين هذه الفروع ومتطلبات المجتمع، داعياً الخبراء أيضاً إلي أن يدققوا في التعليم والبحث في هذا المجال، ويفكروا في كيفية "الإستفادة الأمثل" للعلوم الإنسانية، ومدي الإهتمام بكون الجمعيات العلمية والمجلات والفروع تخصصية وفوق تخصصية، إلا أنه يبدو أن التخصصية لاتجدي في الظروف الحالية رغم كون تطوير العناوين أمراً ضرورياً.
العلوم الإنسانية لاتنوي التعريف بالإنسان العام
وصرّح رئيس "مؤسسة الحكمة والفلسفة" للبحوث أن الهدف من "التوطين" هو الحصول علي النظريات المرتبطة بالعلوم الإنسانية، والإستجابة لحاجات المجتمع، قائلاً: العلوم الإنسانية لاسيما العلوم السلوكية والإجتماعية لاتنوي التعريف بالإنسان العام بل يحاول التعرف علي الإنسان الحقيقي والتعريف به؛ وهو إنسان يقع في ظروف زمانية ومكانية خاصة ولديه سلوك وتفاعلات إجتماعية تختص به، إضافة إلي أن هذا الإنسان يتم التعرف عليه عبر البحوث التجريبية عادة.
وطرح حجة الإسلام «خسروبناه» هذا السؤال: "هل البحوث التي يقوم بها باحثون في آلمانيا أو فرنسا، أو أي دولة أخري حول الإنسان المحقق في مجتمعاتهم، تعبّر عن حياة الإنسان الإيراني؟".
وأجاب علي هذا السؤال بـ"لا"، موضحاً أن هناك ظروفاً تسود في تلك المجتمعات تتطلب تقديم بحوث عديدة حول الإنسان مضيفاً أن نوع القيم يؤثر في نوع السلوك، وأن إعادة دراسة الإنسان من شأنها أن تغيّر النظريات، فعلي الباحثين الإيرانيين للعلوم الإنسانية في عملية "توطين العلوم الإنسانية" أن يبادروا دوماً إلي دراسة "الإنسان المحقق"، ويعرضوا الأسئلة والنتائج علي المجتمع الإيراني.
وتحدث عن "أسملة العلوم" بإعتبارها الخطوة الثالثة لتطوير العلوم الإنسانية، قائلاً: فيما يتعلق بمفهوم "أسلمة العلوم الإنسانية" هناك تحاليل وتنظيرات عديدة قد طرحت في العالم لا سيما في أميركا وماليزيا والعراق وايران، منها أن المفهوم المذكور يعني البحث حول المواضيع الإسلامية في العلوم الإنسانية أو أنه يكون بمعني المحاولة من أجل تحقيق أهداف المجتمع الإسلامي عبر العلوم الإنسانية، إلا أن هذه التحاليل ليست موضع إهتمامنا في هذا المجال بل أن العلوم الإنسانية-الإسلامية بإعتبارها علوماً تبتني علي المبادئ والمنهجية الإسلامية هي التي نريد التطرق إليها.
وأشار رئيس "مؤسسة الحكمة والفلسفة" للبحوث إلي أن العلوم السلوكية والإجتماعية تبتني علي مبادئ "معرفة الكون"، و"معرفة الإنسان"، و"نظرية المعرفة"، و"القيمة المعرفية"، قائلاً: لهذه العلوم فاعليات أربعة هي : وصف الإنسان الموجود والمحقق، ووصف الإنسان المنشود، ونقد الإنسان المحقق، وتحويل الإنسان المحقق إلي الإنسان المنشود.
وأكّد هذا الأستاذ للفلسفة الإسلامية الإختلاف في المبادئ المذكورة يعتبر أحد أسباب الإختلاف في النظريات المطروحة في العلوم الإنسانية، معتبراً أن الإسلام لديه مبادئ خاصة بشأن"معرفة الكون"، و"معرفة الإنسان"، و"نظرية المعرفة"، و"القيمة المعرفية".
قلة الإهتمام بفلسفات العلوم هي السبب في عدم التعرف علي مبادئ العلوم وإتجاهاتها وأثراتها
وأشار حجة الإسلام «خسروبناه» إلي أن بعض الفروع والعلوم تبتني علي مبادئ خاصة، معتبراً أن قلة الإهتمام بفلسفات العلوم هي السبب في عدم التعرف علي مبادئ العلوم وإتجاهاتها وأثراتها.
وأكّد المنهجية هي التي تعزر أركان العلوم، وتلعب دوراً تحكيمياً فيها، مشيراً إلي إمكانية طرح المنهجية الإسلامية، قائلاً: في رأيي أن المنهجية الإسلامية من شأنها أن تطرح شريطة أن تنبثق من العقلانية، فلو قبل الإنسان العقلانية الحديثة ستتخذ منهجيته مظهراً علمانياً، وفي المقابل لو قبل العقلانية الدينية والإسلامية ستصبح منهجيته إسلامية.
وبخصوص العقلانية الحديثة، قال «خسروبناه» إن هذه العقلانية تمتد جذورها إلي عصور طويلة إلا أنها إتخذت صبغة فلسفية بواسطة "ديكارت" الذي وضع أساس فلسفة جعلت الإنسان في رأس الأمور، وروّجت العقل المستقل-الذاتي والمنفصل عن الوحي، واعتبرت أن الله لامكان له في السياسة والعلم والحياة والأسرة إلا في الكنائس.
وأشار إلي أن الفلسفة الإسلامية تقبل العقل المستقل والذاتي، موضحاً أننا نعتقد بإستقلالية العقل النظري والعملي شريطة أن يقترن هذا العقل بالوحي ويقول: "هذا هو منتهي إدراكي، وهناك قضايا يبيّنها الوحي"، مضيفاً أن العقلانية الحديثة المزيلة للأسرار ليست قادرة علي فهم بعض العلاقات الموجودة بين الكائنات، فالإختلاف بين العقلانيات تنتهي إلي الإختلاف في المنهجية، وإن تغيرت المنهجية تغيرت المنجزات أيضاً.
ثلاث تيارات فكرية عامة في العالم الإسلامي
وتحدث رئيس "مؤسسة الحكمة والفلسفة" للبحوث في ختام كلامه عن ثلاث تيارات فكرية للعالم الإسلامي أولها تيار "التنوير" الذي يتبع العقلانية الحديثة كاملاً، موضحاً أن هذا التيار لديه مواقف تجاه الدين: إما يرفض الدين أو يفسره ويزيل منه الأسطورة، وإما يفككه فيقبل جزءاً منه ويرفض الآخر.
وأكّد أن تيار "التقليد" بإعتباره التيار الثاني للعالم الإسلامي يوجد بين الشيعة والسنة، معتبراً أن هذين التيارين "التنوير" و"التقليد" لاينبغي لهما أن يتحدثا عن تطوير العلوم الإنسانية إذ أن الأول يقع في ضمن العقلانية الحديثة، والثاني لايهتم بطرح السؤال حتي يبحث عن جوابه.
وأشار حجة الإسلام «خسرو بناه» إلي "العقلانية الإسلامية" بصفتها التيار الثالث للعالم الإسلامي، موضحاً أن هذا التيار بسبب معرفته للتفكير الغربي وتمتعه بفلسفة إسلامية يتعاطي مع التفكير الحديث بأداة المنطق والعقلانية، ولديه رؤية إنتقائية-إنتقادية تجاه الغرب.
وأكّد أن هذه العقلانية من شأنها أن ستوصلنا إلي إنتاج النظرية في مجال العلوم الإنسانية، مضيفاً أن هذا التيار يكون في مرحلة التنقيح وبيان مواقفه، وهو قادر علي تحقيق الخطوات الثلاثة في العلوم الإنسانية المتثملة في "الإستفادة الأمثل من هذه العلوم"، و"توطينها" و"أسلمتها".