إن الباحثين الغربيين في العالم الرأسمالي يرون أن الاشتراكية نظام بائد، لأنه لم يستطع تحقيق ما وعد به من وفرة اقتصادية تؤدي إلى توزيع الغنى والرفاهية، ولأن قصوره هذا أدى به إلى توزيع الفقر والحرمان تحت شعار العدالة الاجتماعية. غير أن هذا التوجه ليس الوحيد عند الباحثين الغربيين، فهم أيضاً يوجهون سهام النقد الموضوعي لعدة أنماط من الرأسمالية يطلقون عليها الرأسمالية الخبيثة، لأنها تحبس الخيرات في عدد محدود من الناس، وتحرم ملايين الناس من الخدمات الاجتماعية الكفؤة في مجالات التعليم والصحة والإسكان والغذاء والمواصلات، وما إليها من حاجات الناس، وتحطم ملكات الأفراد.
لقد قدم الباحثان الأميركيان روبرت ليتان ووليام بومول في كتابهما Good Capitalim -Bad Copitatirm (الرأسمالية الجيدة والرأسمالية السيئة)، نماذ الرأسمالية، محاولين الوصول إلى النمط الصالح الذي يحقق للمجتمع، من ناحية، حرية اقتصادية ومساواة وتكافؤاً في الفرص بين اللاعبين الاقتصاديين، ويصل به من ناحية أخرى إلى حالة التقدم والقدرة على الابتكار، مع الحرص على قيام الدولة بدورها كمنظم للعملية الاقتصادية يضمن العدالة، ويوفر الخدمات الكفؤة للجميع، كي يصبحوا قادرين على الإنتاج والحصول على الرفاهية، وتقديم إسهاماتهم ومواهبهم لخدمة الإنسانية بابتكاراتهم.
إن رسالة الدكتوراه عن أخلاق القرآن التي قدمها شيخ الأزهر الأسبق الدكتور محمد عبود راز، في جامعة السوربون عام 1947، ما زالت في تقديري، أهم مرجع استطاع أن يقدم النظام الشامل لأخلاق الدولة وأخلاق أفراد المجتمع. إن تأمل هذا النظام يسمح لنا بالقول إنه النظام الأمثل للحكم في المجال الاجتماعي القادر على تحقيق العدالة الاجتماعية والوفاء بحاجات كل أبناء المجتمع وتمكينهم من الإبداع. وإذا كان الباحثان الأميركيان المذكوران مشغولين بالبحث عن وسائل منع احتكار الثروة، فلننظر في القانون الأخلاقي الذي ترسيه الآية رقم 7 من سورة الحشر: «ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم».
وأعتقد أن على القوى التي صعدت إلى كراسي الحكم في مصر وتونس وليبيا، تحت شعارات إسلامية، أن تلتفت إلى معنى الآية الكريمة وإلى خطورة ما يتردد اليوم في الصحافة المصرية ومجافاته لهذا المعنى، من أن رجال الأعمال التابعين للحكم يواصلون سيرة رجال أعمال «مبارك» في استخدام السلطة كوسيلة لاحتكار الفرص الاقتصادية، ومنعها عن سائر الناس.
وإذا كان المسلك السابق مصنفاً في العالم باعتباره من الفساد الكبير، فدعونا نرى أخلاق القرآن ورؤيته لذلك الفساد. نقول الآية 205 من سورة البقرة: «وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد». ولننظر في معنى الآية الكريمة رقم 83 من سورة القصص: «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين».
أعتقد أنه إذا عكف مركز أبحاث عربي، على دراسة العلاقة بين العدالة الاجتماعية وأخلاق القرآن، فإننا سنقدم للعالم وجهاً لم نقدمه بعد من القرآن بالدرجة الكافية لأنفسنا وللعالم.
المصدر: جريدة "الاتحاد" الاماراتية