وقال الله تعالى في محكم كتابه:"أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" ولا شك في أنه يأتي في طليعة الأولياء، الأنبياء والأوصياء ومن تبعهم كما قال تعالى:"إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين..".إن الله تعالى ينفي الخوف والحزن عن أوليائه، وهذا لا يعني في عرف القرآن أن الأولياء بعداء عن المحن والابتلاءات التي تلازم وجود الإنسان لقوله تعالى:"لقد خلقنا الإنسان في كبد.". فقوله تعالى:"لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"،كما يقول الثعالبي في الإعجاز والإيجاز،"فقد أدرج فيه ذكر إقبال كل محبوب عليهم، وزوال كل مكروه عنهم، ولاشيء أضر بالإنسان من الحزن والخوف…،لأن الحزن يتولد من مكروه ماضٍ أو حاضر،والخوف يتولد من مكروه مستقبل…والحزن والخوف هما من أقوى أسباب مرض النفس…".
وهكذا، يمكن لنا من خلال تدبرنا بآيات الله تعالى التي تتعرض لحزن الأولياء أن نستظهر الدلالة الحقيقية لمعنى الخوف والحزن، بحيث ندرك أن أولياء الله تعالى لايهابون المصائب والبلايا، ولايتبرمون منها، بل يرون فيها تعرضاً لرحمة الله تعالى، فإذا ما تعرّض الولي لامتحان الحياة،كما تعرض كل الأنبياء والأوصياء، فإن ذلك لا يتنافي مع حقيقة ما خصّوا به من الأمن والأمان، فهم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، فكان لهم ذلك،كما قال تعالى:"لهم الأمن وهم مهتدون".
ومن هنا نلاحظ كيف أن القرآن الكريم في مواطن كثيرة ينهى عن الحزن، ويأمر رسوله(ص) بذلك،كما قال تعالى: "وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ"، كما أن هناك آيات تعرض لحزن الأنبياء وتذكر لحزنهم الشديد ولا تأخذ عليهم بذلك، بل يستفاد منها شرعية هذا الحزن كما جرى مع النبي يعقوب(ع)، فهو أبيضت عيناه من الحزن على فراق ولده يوسف(ع)، والملاحظ هنا أن الآيات المباركة لم تظهّر الحزن على أنه شكوى أو تذمر أو جزع، وإنما هي تأتي على تسويغه في إطار رؤية معرفية بخصوصية النبي يوسف(ع)، فلم يكن الحزن عليه بوصفه إبناً للنبي يعقوب(ع)، بل لكونه ولياً من أولياء الله تعالى، فلابأس أن تبيضّ العيون، وأن تحزن الدنيا لفراقه أو لقتله.
فالحزن على ولي الله تعالى تعبر عنه الآيات وتنطق به ألسنة التكوين والتشريع، فهلاسمعتم بكلام يعقوب النبي(ع)،"يا أسفى على يوسف وأبيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين، قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون"، فالنبي يعقوب(ع) يأتيه نبأ بقاء أولاده عند العزيز، ويقول عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً،ولكنه يخص يوسف(ع) بالأسى لأنه يعلم ما ليوسف(ع) من معنى ووظيفة، فهو منذ صغره أخبره بأن لايقصص رؤياه على إخوته فيكيدوا له كيداً، وجاءت غيبة النبي يوسف(ع) لتحدث هذا الألم لأبيه لما علمه عنه في سياق أحداث وتحولات جعلته يدرك أن لولده مكانة عظيمة وخلافة إلهية للإصلاح في الأرض، فلم يكن الحزن مجرد تعبير أبوي وصل إلى حد الفجيعة لكونه كذلك، بل لأن الأمر يتعلق بالنبوة والدور الإصلاحي لهذا النبي بما هو ولي من أولياء الله تعالى.
فالقرآن يرشدنا في سورة يوسف إلى أن نحزن على أولياء الله، وأن نقيم مجالس العزاء حزناً عليهم وتأسياً بهم، لأن حركة الوجود الإنساني متعلقة بهم، وفي هذا السياق تأتي واقعة كربلاء، فالناس لايبكون الحسين(ع) وأصحابه وأولاده لمجرد أنهم قتلوا بفعل إجرامي، وإنما يحدث ذلك لكون الإمام الحسين(ع) له امتداد النبوة والولاية في الزمان البشري، وهو لم يرد لموته وشهادته أن تكون مجرد مناسبة للحزن والبكاء على ما أصابه مع عياله، بل يريد لعاشوراء أن تكون حركة إصلاحية كما عنونها الإمام وهو في الطريق إلى كربلاء.
فإذا أردنا أن نحزن فليكن الحزن معرفياً بحيث نستطيع التعبير عن حركته الإصلاحية بكل وعي وإدراك لحقيقة المراد من نهضته، ولهذا نلاحظ أن العناوين الكبرى التي طرحها الإمام(ع) تجاوزت المحنة والمصيبة إلى عناوين كبرى تتعلق بالوجود الإنساني بما هو وجود مكرم وحر ويحمل الأمانة بكل مسؤولية.
ومن هنا نقول لكل من يقوم بإحياء هذه المناسبة الأليمة أن لاتجعلوا منها مجرد مصيبة تثار فيها العواطف!ويكثر فيه العويل والبكاء،ذلك أن الحزن على ولي الله تعالى يستدعي منا أن نكون على وعي كامل بوجوده وحركته،وهذا ما نستفيده من سورة يوسف التي تظهّر فيها هذا المعنى، ولنتأكد جميعاً أن النبي يعقوب(ع) لو جرت عليه الأمور بأشد ما يكون عليه البلاء،سواء في نفسه،أو في عياله وجميع أبنائه،لما توانى عن قوله يا أسفى على يوسف،لأنه عرف فيه أنه قطب رحى الوجود،وما كان ليسكن فؤاده أو تطفأ نيران قلبه إلا بأن يرى يوسف. فأين نحن من الحسين(ع) أيها الناس؟ فهلا قلتم يا أسفى على الحسين؟ أنتم تحزنون عليه وتعرفون أن بقاء هذا الدين ما كان ليأخذ فرقانه إلا بالحسين(ع).
فماذا أنتم فاعلون بأحزانكم غداً إن لم تؤدِ هذه الأحزان وظيفتها المعرفية، بحيث تكون الشكوى والبث والحزن لله تعالى، فصخب الحزن ليس حزناً،وألم الصراخ ليس حزناً،فهلاكظمتم الغيظ أيها الناس وجعلتم من حزنكم على أولياء الله تعالى فوزاً ووعياً ونوراً يضيء الآفاق لكل من يريد الاهتداء بالحسين(ع)، فمجالس العزاء هي في جوهرها مجالس وفاء لأولياء الله تعالى، فلماذا نأخذ بها إلى بث الأحزان بما لا يخدم حركة الوعي والإصلاح الحسيني؟ ألستم تعرفون أنه في لحظة سقوط السيف على جبهة ورأس مولى الموحدين علي(ع) قال:"فزت ورب الكعبة"، فلم يقل فيا للمصيبة، والحسين(ع) قال: "هيهات منا الذلة"، فما بالكم أيها الناس تسهون عن فوز الحسين(ع) وعز نهضته لتجعلوا منه مجرد بلاء ومصيبة، فهو لم يحزن أبداً على فراقكم، ولكنه حتماً هو حزين على قلة صبركم وتراخي جهادكم وبوار تجارة أهل الدين والدنيا، فعاشوراء مثلت ولاتزال تمثل ثقلاً في حركة النبوات للإصلاح، فاغتنموها لتكون فرقاناً حياً ليس في مجالسكم وحسب، وإنما في كل حياتكم بحيث تكون منهجاً وروحاً في مسالك العبور إلى الله تعالى،..والسلام