ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة...

منْ جَهِلَ أَهْمَلَ

23:20 - November 30, 2025
رمز الخبر: 3502630
بيروت ـ إکنا: إنّ الجهلُ يؤدّي إلى الإهمال؛ تلك هي الحقيقةُ المُرَّة التي يُنَبِّه إليها الإمامُ أميرُ المؤمنين (ع)، حقيقةٌ تكشف عن بواعثِ الخلل في حياة الإنسان.

ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (عليه السلام) أنه قال: "منْ جَهِلَ أَهْمَلَ".
 
الجهلُ يؤدّي إلى الإهمال؛ تلك هي الحقيقةُ المُرَّة التي يُنَبِّه إليها الإمامُ أميرُ المؤمنين (ع)، حقيقةٌ تكشف عن بواعثِ الخلل في حياة الإنسان.
 
وقبل الخوض في مضمون هذه الحقيقة، لا بدّ من معرفة المقصود بالجهل هنا: أهو الجهلُ الذي يقابل العلم؟ أم الجهلُ الذي يقابل اليقظةَ والبصيرةَ والوعيَ والنباهةَ والفِطنة؟

لا شكّ في أن الجهل هنا ليس هو الذي يقابل العلم، بل هو غيابُ اليَقَظة والبصيرة والفِطنة، وغيابُ الإدراك الحقيقي لقيمة الأشياء والأمور، ولأبعادها وآثارها، وللعواقب المترتّبة عليها. فالجهلُ بحقيقة الشيء يُولِّد عدمَ الاهتمام به، وعدمَ حفظه وصونه، وعدمَ الالتفات إلى قيمته وأهميته؛ وذلك هو الإهمال بعينه، ولا يُهمِل إلا جاهلٌ غبيّ.
 
أمّا الشخص العاقل البصير، واليقِظُ النبيه، فإنه يعرف قيمةَ الأمور والأشياء، ويعرف أهميتَها ونتائجها وآثارها، فيصونها ويحافظ عليها كما يحافظ على كلّ ما هو ثمين. وهذا أمرٌ تشهد له التجربة الإنسانية؛ فكلُّ أمرٍ نعرف قيمته الحقيقية وضرورته الحياتية نصونه بأهداب العيون، ونبذل في سبيل ذلك الجهدَ والمال، ونكابد التعبَ والنَّصَب كي نحفظه وندفع عنه ما يؤذيه. وهذا يؤكد أن معرفة قيمة الشيء أو أهمية الأمر تدعونا إلى الاهتمام به، وأن الجهل بقيمته يدعونا إلى إهماله.
 
هل رأيتَ –قارئي الكريم– أمًّا تُهمل أمرَ ولدها؟ من المؤكَّد أنها تحافظ عليه كما تحافظ على روحها، ولا تُهمِله إلا إذا كانت غبيّةً حمقاء. وكذلك الإنسان لا يُهمِل صحته إلا إذا كان أحمقَ أو غافلًا، ولا يُهمِل سرَّه إلا إذا كان غبيًّا لا يمتلك أيَّ حِسٍّ بالمسؤولية تجاه نفسه أو غيره.
 
إذن: الإهمال هو اللازم الطبيعيّ للجهل وغياب المعرفة بالآثار والنتائج. ويتجلّى الجهل في صور عديدة: فهناك جهلٌ بالقيمة، كأن يجهل المرء قيمةَ عمره وقيمةَ وقته، فيهملهما ويضيّعهما. وهناك جهلٌ بالعواقب، كأن يجهل عاقبةَ الذنوب والمعاصي فيهمل طاعةَ الله تعالى، أو يجهل عاقبةَ إفشاء السر، أو عاقبةَ إهمال أدواته التي يحتاج إليها في عمله. وقد يكون الجهلُ بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، كأن يجهل مسؤوليته كأبٍ أو أمٍّ أو معلّمٍ أو مديرٍ أو أمين، فيهمل ما هو تحت يديه وتحت أمرته وولايته.
 
وإذا كان الجهل هو الداءَ الذي يؤدّي إلى الإهمال، فلا شكّ في أن العلم واليقظة هما الطريق الأوحد ليتجنّب الإنسانُ الإهمالَ والتضييع. فليكن همُّنا الأول طلبَ العلم النافع في جميع مجالات حياتنا: المعرفية، والصحية، والمهنية، والدينية. ولنتعوّد التفكيرَ في العواقب قبل أن نهمل أيَّ أمر من الأمور؛ فالتفكير في العواقب يحمينا من الإهمال. ولْنُحاسِبْ أنفسَنا كلَّ يومٍ على ما كان منها من تقصير وتضييع وإهمال، موقنين أن الله تعالى سيحاسبنا على كلّ تقصير يصدر منا، وعلى كلّ نعمة أنعم بها علينا.
 
بقلم الباحث اللبنانی فی الشؤون الدينية  السيد بلال وهبي
captcha