
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية "السيد بلال الوهبي"
رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ أَطْلَقَ طَرْفَهُ اجْتَلَبَ حَتْفَهُ".
الشخص الذي يُطلق بصره بلا قيود، ويترك عينيه تتجولان وتسترسلان في النظر إلى المُحرَّمات أو المُلهيات، أو ما لا يمكنه الحصول عليه، فإنه بذلك يستدعي بنفسه مصائبه وهلاكه. تلك هي المعادلة التي لا يجوز بحال من الأحوال أن تغيب عنا.
العين، قارئي الكريم، رائِدُ القلب كما يقول الإمام أمير المؤمنين (ع)، هي البوابة التي تدخل منها الرغبات والخواطر والميول، لتصوغ مشاعر الإنسان وعواطفه وسلوكياته، ولهذا كان ضبط النظر من أهم أبواب تهذيب النفس، إذ إنّ الطَّرف إذا تُرك طليقاً قاد صاحبه إلى ما لا ينبغي له، وفتح أمامه مسالك لا يدرك غورها إلا بعد فوات الأوان، وجلب إليه السوء والشَّرَّ، وأوقعه في بؤرة عميقة من الحسرة والندامة، ومن هنا تأتي الحكمة البليغة للإمام أمير المؤمنين (ع): "مَنْ أَطْلَقَ طَرْفَهُ اجْتَلَبَ حَتْفَهُ" لتجعل من النظر مسؤولية، ومن العين أمانة، ولتذكّر الإنسان بأنّ أول الانفلات يبدأ بخطوة صغيرة لا يُلتفت إليها، لكنها تمتد لتبلغ القلب وتغيّر مساره، وتنقل إليه أمراضًا، وتعيث فيه فسادًا.
لذلك ينبهنا الإمام (ع) إلى ضرورة التحكُّم بالنظر، ومنعه من الاسترسال والتمادي، لأن إطلاق الطرف يعني أن يُرسل الإنسان عينيه حيث شاءتا، بلا ضابط ولا كابح، مما يؤدي به إلى عواقب لا تسُرُّه ولا تفيده، فالتحكم فيها هو أساس الحصانة.
والقضية هنا، قارئي الكريم، أبعد من النظر إلى ما يَحرُم النظر إليه، فهذا فضلًا عن حرمته، فإنه يُنتِج آثارًا خطيرة في نفس الإنسان. إطلاق النظر (الطرف) يشمل النظر إلى كل أمر ترغبه النفس ولا تقدر على الحصول عليه، كمن ينظر إلى ما في أيدي الآخرين من مال ولباس وطعام ومقتنيات وكل ما يكون مرغوباً، فإن النفس ستطلبه، والقلب سينشغل به، ومع العجز عن الحصول عليه ستكون تداعياته النفسية شديدة الخطورة.
فمن ينظر إلى مظاهر الترف أو نجاحات الآخرين، من دون وعي، قد يوقِع نفسه في مقارنة معهم تسلبه ثقته بنفسه، وراحته، فيلازمه الاكتئاب والقلق، الشخص الذي ينبهر بما يراه في أيدي الآخرين تثور في نفسه شهوة الامتلاك لما يراه، فيندفع وراء ذلك، ويحمِّل نفسه ما لا يُطيق، فينوء تحت أعباء مالية، أو سلوكيات اجتماعية سيئة. قال تعالى: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ﴿الحجر: 88﴾.
للعين أثر عظيم في تشكيل إرادة الإنسان وتوجيه سلوكه، فإذا انفلت الطَّرف، وسرح النظر، وغابت الرقابة الذاتية عنه، فإن العين هنا تتحوَّل من حاسة للمعرفة إلى أداة تجرُّ الإنسان إلى الوقوع في الخطأ والزلل.
من هنا جاء التحذير من ترك العين بلا ضبط، لأن النظر إذا انفتح بغير حدود فإنه يستثير الشهوة ويُضعِف الإرادة وينقل الإنسان تدريجياً من مقام المراقبة إلى حالة ينجرف معها إلى نهاية غير مخزية.
يقول الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴿النور: 30﴾ فقد جمع القرآن بين غضّ البصر وحفظ الفرج، ليُبيّن أن الانفلات يبدأ بنظرة، ثم يتدرَّج بالإنسان إلى أن يُدخله في نفق الرذيلة، ولذلك وصف رسول الله (ص) النَّظر بأنه سَهم مسموم من سِهام إبليس، وهذا يدل على أن تأثير النظر سريع كسرعة السهم، والتمادي فيه قاتل كما يقتل السهم.
كثيرون يبدؤون سقوطهم الأخلاقي من نظرة عابرة، تُشعِل فيهم رغبة جامحة، تتضخّم حتى تطغى، فتأخذهم إلى عواقب مخزية.
ولا يفوتني التنبيه إلى إنسان اليوم ابتُلِيَ أكثر مِما سبقه بما يلفت الأنظار، يجد نفسه أمام سَيلٍ لا ينقطع من الصور والمشاهد، يختلط فيه المباح بالمَحظور، والواقعي بالمتخيَّل المصنوع، ومع هذا الانفتاح المتاح لكل أحد، يقع كثيرون في فخّ لا فِكاك منه، أو في إدمانِ النظر إلى ما لا يجوز لهم النظر إليه، فتتأثر علاقاتهم، وتضطرب حياتهم الخاصة والاجتماعية، وينزلقون إلى درَكات عميقة من الانحراف والضياع.