ایکنا

IQNA

ترامب لايريد إحتلال إيران…بل تدميرها

16:53 - January 30, 2026
رمز الخبر: 3503357

بقلم الکاتب والمحلل السیاسي "د. ميخائيل عوض" 

وتأتي هذه القراءة في لحظة إقليمية ودولية شديدة السيولة، تتداخل فيها الحروب منخفضة الوتيرة مع التهديد بالعصف الشامل، ويُضَخّ فيها قدر هائل من التهويل الإعلامي الذي يدفع المجتمعات إلى القلق والترقب واضطراب التقدير.

في هذه الحلقة، يقدّم ميخائيل عوض مقاربة تحليلية هادئة تقوم على تفكيك الأسئلة الكبرى بدل الانجرار وراء التوقعات الزمنية أو الانفعالات، واضعًا الحرب المحتملة على إيران ضمن سياق أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي.

أولاً: منهجية القراءة – كيف نفكّر بالحرب؟

ينطلق عوض من قاعدة أساسية في علم الحروب: إذا أمكن تحقيق 50–60% من الأهداف عبر التهويل، أو الحرب المركبة، أو الحرب بالواسطة، فإن الذهاب إلى الحرب الشاملة يصبح خيارًا غير مُلحّ. الحرب، بطبيعتها، مليئة بالمفاجآت والكلفة والخسائر، حتى على الطرف المنتصر. من هنا، يرفض منطق التنبؤ الزمني للحرب، ويؤكد أن عنصر المفاجأة يظل جوهريًا، وأن المتحاربين وحدهم قد يعرفون، فيما لا يُستأذن أحد عند اندلاعها.

ثانياً: هل لدى ترامب دافع ومصلحة لحرب على إيران؟

السؤال المركزي ليس: هل ستقع الحرب؟ بل: هل تحقق الحرب كلفة/منفعة إيجابية لدونالد ترامب؟

يُميّز عوض بين نتنياهو المنفعل وترامب الفاعل. نتنياهو، في هذا المشهد، أداة توظيف، لا صانع قرار استراتيجي. أما ترامب، فيحسب الأمور من زاوية مختلفة: هل استُنفدت كل الوسائط الأخرى؟ هل انتهت الحرب بالواسطة؟ هل فشلت الحرب المركبة؟ أم أن التهويل والتحشيد بحد ذاتهما جزء من الاستراتيجية لتحقيق الأهداف دون اشتباك شامل؟

ثالثاً: طبيعة الحرب المحتملة | تطويع أم تدمير؟

يستبعد التحليل بشكل شبه قاطع سيناريو الاحتلال البري لإيران، لأسباب ديموغرافية وجغرافية وتاريخية وعقائدية. إيران دولة لم تُستعمر تاريخيًا، وتملك عمقًا سكانيًا ومساحة وقدرات تجعل الغزو البري مغامرة انتحارية.

السيناريو المرجّح – إن وقع العصف – هو حرب تدمير وتطبيش: ضربات جوية وصاروخية، تفوق جوي، تدمير بنى تحتية استراتيجية، في إطار ما تسميه العقيدة الأمريكية "الحرب النظيفة"، أي الأقل كلفة مباشرة على القوات الأمريكية.

رابعاً: إيران، موازين القوى، ونتائج الحرب

يرجّح عوض أن نتائج أي حرب شاملة على إيران ستكون مدوّية، ليس فقط على الإقليم، بل على الولايات المتحدة نفسها وعلى النظام الأنجلوساكسوني. فإيران تملك القدرة على ضرب القواعد الأمريكية في المنطقة، ما قد يؤدي إلى خسائر جسيمة وربما تسريع الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط.

كما يطرح سؤالًا حساسًا: هل تستطيع إيران تدمير إسرائيل؟ ويجيب ضمن الإطار التحليلي بأن إسرائيل تعاني من عطبين استراتيجيين: ضيق المساحة الجغرافية، والهشاشة الديموغرافية، بما لا يحتمل حرب تدمير طويلة. ويستشهد بتصريحات ترامب نفسه التي أقرّ فيها بأنه "أنقذ إسرائيل" من التدمير.

أما السؤال الأخطر فهو هل يشكل قصف القواعد الأمريكية وخطر زوال إسرائيل رادعا" لترمب عن ضرب إيران؟ الجواب القطعي وفق طرح د.عوض " لا" فالقواعد في خدمة مصالح لوبي الشركات ونتنياهو أداة لوبي العولمة في المنطقة منذ نشأ الكيان.

خامساً: النفط، الصين، والهدف الحقيقي

الهدف الأهم في حسابات دونالد ترامب ليس إيران بذاتها، بل حرمان الصين من مصادر الطاقة الرخيصة: النفط والغاز الإيراني والخليجي. ضرب إيران، وتعطيل نفط الخليج، أو إقفال الممرات الاستراتيجية، ما يعني كسر ظهر الاقتصاد الصيني، وهو ما ينسجم مع أولوية الأمن القومي الأمريكي كما وردت في استراتيجية البنتاغون الأخيرة.

من هنا، تصبح كلفة خسارة قواعد أو حلفاء كلفة محتسبة ومقبولة في إطار استراتيجية الانحسار وإعادة التموضع.

سادساً: مصر، مياه النيل، وغزة 

يفتح عوض ملفًا بالغ الحساسية: لماذا بدأ ترامب يهتم بمصر ومياه النيل؟ يربط ذلك بمشاريع إعادة تشكيل غزة اقتصاديًا ("ريفييرا الشرق")، والحاجة إلى المياه، في ظل كلفة تحلية مياه البحر. ويقدّم فرضية استجرار مياه النيل إلى غزة والنقب ضمن صفقات مشروطة، في إطار عقلية السمسار وتاجر الصفقات.

ويطرح تساؤلات مفتوحة حول موقف مصر: هل تقبل؟ هل ترفض؟ دون إطلاق أحكام قطعية، مع ترجيح نسبي لقبول التطويع في ظل الأداء المصري منذ طوفان الأقصى.

سابعاً: التناقض داخل المعسكر الأمريكي–الإسرائيلي

يرصد التحليل تناقضًا حادًا بين ترامب وفريقه من جهة، ونتنياهو وسموتريتش وبن غفير من جهة أخرى. جوهر التناقض: من يملك غزة ومن يجني ثمارها الاقتصادية؟ هذا الصراع مرشح للتصعيد السياسي وربما لتخريب المراحل الانتقالية، بانتظار الانتخابات النصفية الأمريكية. مع انفتاح المشهد على احتمالات تزداد ترجيحا بات يراها نتنياهو من مثل حدث نوعي في أمريكا نفسها أو ربما اغتيال ترمب وتصفيته، وتاريخ السياسة الأمريكية حافل بهذا النوع من الاغتيالات عند تعارض المصالح.

ثامناً: نحو عالمين لا قطبين أو تعدد اقطاب

يقدّم عوض تصورًا استراتيجيًا بالغ الأهمية: نحن أمام تشكّل عالمين، لا نظام عالمي متعدد الأقطاب. عالم غربي أنجلوساكسوني تقوده أمريكا الترامبية في مجلس الحرب الترمبي ويكون بديلا عن النظام العالمي القديم، ويغلق على نصف الكرة الغربي،  وعالم آخر آخذ في التشكل في الشرق. هذا التحول يفسر الاندفاع الأمريكي، والتهويل، والاستعداد للتدمير قبل الانكفاء.

تاسعاً: بغداد وبيروت – العرس المؤجَّل؟

في مقابل الطبل في طهران، يشير عوض إلى أن التحضيرات في العراق ولبنان جارية: أزمات سياسية، تفكيك سيادي، نقل جماعات متطرفة، وتصعيد أمني واجتماعي. الهدف: ضرب القواعد الاجتماعية الحليفة لإيران في العراق وتدمير الكيان في لبنان، وتهيئة البيئات للانهيار ثم للتدخل والاستثمار.

خاتمة: بين العصف والاحتمال...زمن العجائب

يخلص التحليل إلى أن الحرب جارية بأشكال متعددة، وأن التحشيد جزء من الحرب، لا بالضرورة مقدمة حتمية للعصف. قد تقع الضربة، وقد تُلغى بفعل تطورات خارج النص، أو "رمية من رميات الله". في كل الأحوال، نحن أمام لحظة تحوّل فرط-استراتيجية ستعيد رسم مستقبل المنطقة، سواء باتجاه شرق أوسط مُفصَّل على قياس ترامب، أو باتجاه انفجار تاريخي يفتح مسارات جديدة للأمم والشعوب.

captcha