
وأشار إلى ذلك الأكاديمي الإيراني المدرس في جامعة طهران "حامد بور رستمي" في حديث لوکالة "إكنا" للأنباء القرآنية الدولية، حول معنى ومفهوم العدالة من منظور الإمام علي (ع) وما ورد في نهج البلاغة.
وقال: "إنّ الكثير من أصحاب الرأي يرفعون شُعار العدالة العلوية، لكن في مجال التطبيق العملي يُلاحظ الالتزام القليل بها."
وأضاف: "نهج البلاغة، خاصة في موضوع العدالة وارتباطها بالسياسة والمعيشة والمعايير الاجتماعية، يحتوي على مفاتيح رئيسية يمكن أن يكون الاهتمام الجاد بها مؤثراً حاسماً في تنظيم المجتمع."
وأردف مبيناً: "في الرسالة ٥٣ من نهج البلاغة، عندما يوضح الإمام علي (ع) جذور المشاكل الاجتماعية، لا يكتفي بمجال واحد فقط، بل يربط مجموعة من القضايا مثل العدالة والأمن والتربية."
إقرأ أيضاً:
ورداً على سؤال حول أسباب المعارضة لحكم الإمام علي (ع)، قال بور رستمي: "أحد العوامل المهمة للمعارضة لحكم الإمام علي (ع) يعود إلى طريقة تعامله مع قضية العدالة، إذ كان الإمام علي (ع) يضع تطبيق العدالة على رأس الأولويات، وكان يعتبر أي تقصير أو مساومة في هذا المجال غير مقبول."
وفيما يخص أبرز محاور نهج البلاغة لوضعها كـ سياسة اجتماعية فعالة، قال: "المحور الأول هو تجنب جمع المال وتكديس الثروة الشخصية من قبل المسؤولين."
وأضاف: "المحور الثاني هو الاستفادة الفعالة والكاملة من الوقت والفرصة خلال فترة المسؤولية؛ يجب على المسؤولين أن يركّزوا كل طاقتهم وقدراتهم على تحقيق الأهداف الاجتماعية وتنفيذ العدالة، وأن يتجنبوا الانشغال بالأمور الجانبية وقليلة التأثير."
واستطرد قائلاً: "المحور الثالث هو الاتعاظ من التجارب والأحداث الماضية؛ حيث أن المسؤولین الذين يستفيدون من العبر ودروس التاريخ وتجاربهم الإدارية سيتخذون قرارات أكثر دقة وكفاءة، وستقل احتمالية تكرار الأخطاء".
وصرّح أنه يحتوي نهج البلاغة، بالإضافة إلى جوانبه الأخلاقية والروحية، على تعاليم دقيقة وعلمية في مجال العدالة الاجتماعية وإدارة المجتمع، مبيناً أنه يشير الإمام علي (ع) في هذا النص بدقة ووضوح إلى جذور الفقر وعدم المساواة في المجتمع، ويقدّم ثلاثة عوامل أساسية كـ "أم العلل" أو الأسباب الرئيسية للفقر. على الرغم من أنه قد تكون هناك أسباب فرعية ومتنوعة أخرى، إلا أن التركيز على هذه العوامل الثلاثة يوفّر مسارًا واضحًا ومباشرًا للسياسات الاجتماعية والحد من الأضرار الاجتماعية.
وأضاف الأستاذ بجامعة طهران أنه يصرّح الإمام علي (ع) أن فقر الناس وحاجتهم هو المصدر الرئيسي لخراب المجتمع، وأن تحقيق ازدهار المجتمع من الناحية المادية والنفسية والأمنية لا يمكن إلا برفع الفقر. يشير الإمام (ع) أيضًا إلى نقطة دقيقة ومهمة للغاية، وهي أن العديد من العبر والدروس متاحة، ولكن عدد الذين يستفيدون منها قليل. يشير هذا إلى أن النجاح في السياسة الاجتماعية لا يتطلب فقط فهم مبادئ وعوامل الفقر، بل يتطلب أيضًا خلق ثقافة تؤكد على التأمل والتعلم من التجارب والاهتمام بها. بدون هذه الثقافة، حتى مع وجود الموارد والإمكانيات الكافية، لن يتحقق العدل والرفاه الاجتماعي بشكل كامل.
وأشار "حامد بور رستمي" الى أنه إذا أردنا تحويل نهج البلاغة إلى مصدر عملي وعلمي للسياسة الاجتماعية، فيجب أن نبدأ من هذه المحاور الثلاثة: "منع المسؤولين من جمع الثروات والسلوكيات الأنانية"، و"الاستخدام الفعال والموجه للوقت وفرص المسؤولية"، و"الاهتمام المستمر بالدروس والنصائح والتجارب السابقة لتحسين الأداء ومنع الأخطاء". يمكن أن يوفر التركيز على هذه المبادئ أساسًا متينًا للحد من الفقر، وتعزيز العدالة الاجتماعية، ومنع الدمار الثقافي والتربوي والمعيشي في المجتمع.