ایکنا

IQNA

جاء في ندوة "القرآن وتنوع الثقافات في المجتمع العالمي"؛

التنوع الثقافي ومسألة فهم القرآن؛ قراءة لغوية وأنثروبولوجية

15:15 - January 07, 2026
رمز الخبر: 3503116
طهران ـ إکنا: ردّاً على سؤال "لماذا تصبح بعض الترجمات والتفسيرات للقرآن مثيرة للتساؤل لدى الجمهور العالمي؟ قال باحث قرآني إيراني: "إن جذور هذه المسألة تكمن في تجاهل الأنظمة الثقافية والقيمية لعصر النزول وقلة الإهتمام بالتنوع الثقافي في المجتمعات العالمية."

وأشار إلى ذلك، "أحمد باكتجي"، الباحث الايراني في الدراسات القرآنية، وعضو المجلس العلمي الأعلى لمركز الموسوعة الإسلامية الكبرى، في المحاضرة التي ألقاها أمس الثلاثاء 6 يناير 2026 م في ندوة بحضور باحثين قرآنيين استضافتها وكالة الأنباء القرآنية الدولية (إكنا) بالعاصمة الايرانية طهران، حيث تطرق إلى تحليل كيفية تعامل القرآن الكريم مع ظاهرة التنوع الثقافي في المجتمعات الدولية.

وتناول موضوع البحث في علاقة القرآن الكريم بالثقافة ثم بالمجتمع العالمي، وأوضح: "من خلال جمع مجموعة من الآيات القرآنية وترتيبها بشكل متسلسل، يمكن الوصول إلى هذه النقطة وهي كيف ينظر القرآن إلى مسألة اللغة والثقافة. على سبيل المثال، في سورة إبراهيم، الآية ٤، يقول الله تعالى "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"."

وأضاف: "كل نبي تحدث بلغة قومه، وبشكل طبيعي، عندما يُبعث نبي من بين العرب، يجب أن يتحدث باللغة العربية؛ ولو تم اختياره من بين اليابانيين، لكان من المفترض أن يتحدث باللغة اليابانية. والأنبياء الآخرون الذين بُعثوا بين بني إسرائيل أو أقوام أخرى، تحدثوا أيضاً بلغة قومهم."
التنوع الثقافي ومسألة فهم القرآن؛ قراءة لغوية وأنثروبولوجية
وأردف باكتجي قائلاً: "بدون تجاوز الحدود الجغرافية والتاريخية وإعادة القراءة الثقافية للآيات، لا يمكن تحقيق الدور الإرشادي للقرآن لجميع البشر، وهي نقطة تتحقق من خلال دراسة العلاقة بين اللغة والثقافة والأنظمة القيمية في المجتمعات العالمية."


إقرأ أيضاً:


وفيما يتعلق بعلاقة اللغة بالفهم الصحيح، أكدّ: "اليوم في علم اللغة، اللغة ليست مجرد مجموعة من الكلمات والقواعد النحوية؛ فاللغة تعتمد في فعاليتها على ركيزتين أساسيتين: ركيزة العقلانية وركيزة الثقافة."

واستطرد قائلاً: "علاقة اللغة بالفكر مسألة كانت محط اهتمام منذ قرون، لكنها في المئة عام الأخيرة أصبحت أكثر أهمية بكثير."

وأوضح أنه "لا يمكننا رسم حدود واضحة بين التفكير والتحدث؛ فليس الأمر أننا نفكر أولاً ثم نبدأ في اختيار الكلمات. اللغة والفكر يعملان بشكل متداخل، واللغة تحمل دائمًا حملاً ثقافيًا. علاقة اللغة بالثقافة كعلاقة الروح بالجسد. فكما أن الكائن الحي هو مزيج لا يتجزأ من الروح والجسد، فإن اللغة بدون سياق ثقافي لن يكون لها وجود حي. إذا اختزلنا اللغة إلى مجرد مجموعة من الكلمات والقواعد وأزلنا الثقافة منها، فإن اللغة تتحول إلى جسد بلا روح. هذا ليس مجرد استعارة؛ ففي الواقع، إذا أخذنا الثقافة من اللغة، فلن تكون للغة علاقة بالحياة بعد الآن".

وأشار أحمد باكتجي الى أن "بعثة الرسول الأعظم(ص) بين قوم العرب وباللغة العربية ليست مجرد اختيار لأداة تواصل. فالقرآن بكونه عربيًا لم يكن ممكنًا بدون سياق ثقافي عربي. لو كانت اللغة مجرد مجموعة من القواعد، لكان من الممكن بناؤها بشكل اصطناعي؛ كما توجد لغات اصطناعية في اللغويات. بناء لغة بمفردات محدودة وقواعد منتظمة ليس بالأمر الصعب، بل هو ممكن للإنسان؛ فما بالك بالله تعالى. ولكن ما يجعل اللغة البشرية حية وذات معنى هو السياق الثقافي".
التنوع الثقافي ومسألة فهم القرآن؛ قراءة لغوية وأنثروبولوجيةولدى ذكره لآية من القرآن الكريم تعترف بالتعدد الثقافي، قال: "هنا يمكن الإشارة إلى الآية الثانية من سورة الجمعة المباركة التي تقول "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِين"."

وأوضح الأكاديمي الإيراني: "في هذه الآية، يتم الحديث عن مهمة النبي (ص) في تعليم الكتاب والحكمة، إذ أن عمل النبي (ص) ليس مجرد نقل مجموعة من الألفاظ؛ بل هو هداية وتربية عقلية وثقافية للبشر."

وتابع موضحاً: "في هذا السياق، تحظى الآية الكريمة "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير" بأهمية خاصة." مبيناً: "كلمة "تعارفوا" مشتقة من جذر يعني المعرفة المتبادلة، لم تقل الآية إننا خلقنا الاختلافات أولاً ثم اضطررنا للتعايش معها؛ بل إن أصل التنوع كان من أجل "المعرفة"."

وأوضح أن "هذا بالضبط ما يُطرح اليوم في أحدث نظريات الدراسات الثقافية: تشكيل المجموعات الثقافية من خلال تحديد الحدود الهوياتية، مما يخلق "الآخر" تلقائيًا، وبالتالي يتيح إمكانية معرفة الذات. هذه الآية من أهم آيات القرآن وتوضح بجلاء أن التنوع الثقافي ليس معترفًا به فحسب، بل هو أصيل. القرآن الكريم يعلن منذ البداية أن البشر خلقوا على أساس التنوع الثقافي وأن نموهم المعرفي يعتمد على فهم هذا التنوع".

وقال: "هنا قد يطرح هذا السؤال: هل يمكن التحدث مع جميع البشر بنفس الطريقة؟ وهل هذا يتعارض مع مخاطبة القرآن للجميع؟ الإجابة هي أن للقرآن مخاطباً عاماً ومخاطباً خاصاً. في حالات خاصة، يتحدث القرآن مع بني إسرائيل أو مجموعة محددة في سياق تاريخي وجغرافي معين. هذه الآيات إذا فصلت عن سياقها الزماني والمكاني، قد تفقد معناها الظاهري، ولكنها لا تزال تحمل رسائل عامة وهادية".

وقال إنّ "فهم النص دون معرفة السياق الثقافي يؤدي إلى سوء فهم؛ فكما أن الاستعارات المتعلقة بالشمس أو الجمل أو لباس النساء لا يمكن فهمها بدقة دون معرفة السياق الثقافي للعرب في عصر النزول، فإن العديد من آيات القرآن تتطلب فهمًا ثقافيًا. على سبيل المثال، الآية التي نزلت بشأن لباس النساء تكتسب معناها في سياق اجتماعي محدد".

وصرّح الباحث في الدراسات القرآنية: "هنا أود أن أشير إلى نقطتين؛ أولاً، هناك حالات في نهج البلاغة أيضًا لا يمكن فهمها بدقة دون معرفة سياق صدورها. لدينا اليوم أكثر من 125 ترجمة فارسية للقرآن الكريم، ولكن قد لا نتمكن في كثير من الحالات من استخلاص المعنى الدقيق للآيات من الترجمة. أولئك الذين يدركون السياق التاريخي والثقافي لصدور الآيات يعلمون أن العبارات التي تبدو بسيطة ظاهريًا تتطلب دقة وتوضيحًا. على سبيل المثال، عندما نصادف عبارات مثل "كل شيء زوج"، إذا لم نعرف في أي أفق من المعنى والثقافة قيلت، فسيكون لدينا فهم سطحي. حتى في بعض الأحيان، لا توفر لنا مراجعة التفاسير معلومات كافية، ومن الضروري الاستفادة من الأدوات الثقافية".
التنوع الثقافي ومسألة فهم القرآن؛ قراءة لغوية وأنثروبولوجية
وأوضح أن "الثقافة بطبيعتها ديناميكية وتتطور باستمرار؛ حتى ثقافتنا اليوم تختلف اختلافًا جوهريًا عن ثقافة إيران قبل 500 عام. لذلك، لا يمكن تثبيت ثقافة واعتبارها ثابتة. وينطبق هذا الأمر نفسه على العالم العربي؛ فالعربي اليوم في خوزستان أو المغرب أو مصر ليس لديه نفس نظام القيم الذي كان لدى العرب في الجاهلية أو صدر الإسلام، وهناك اختلافات جوهرية. أحد النماذج المهمة في الدراسات الثقافية هو الانتباه إلى مسارات التطور التدريجي والمراحل الانفجارية في الثقافات".

وقال إن "الإسلام هو مثال على مرحلة انفجار ثقافي أحدث تغييرات جوهرية في فترة قصيرة، ثم دخلت الثقافة مرة أخرى في عملية تدريجية. في الترجمة الثقافية للقرآن، يجب أن نكون قادرين على تجاوز العوائق الجغرافية والتاريخية وإخراج نموذج القرآن الشامل للزمان والمكان من كونه مجرد شعار. إن الالتزام بظواهر الترجمة، دون الانتباه إلى الأنظمة الثقافية والقيمية، لا يزيد من فهم القرآن فحسب، بل يمكن أن يعيق الهداية. هذا ممكن، لكنه يتطلب تكلفة ومنهجية ويحتاج إلى تطوير جاد لأدوات الفهم والترجمة الثقافية".

هذا ويذكر أن "الأستاذ أحمد باكتجي" بالإضافة إلى دراساته القرآنية، يتخصص في مجالات الأديان واللغويات والتاريخ. وهو سفير إيران لدى منظمة اليونسكو ويتقن عدة لغات حية. وتشمل جهوده أعمالًا علمية في مجال الدراسات الإسلامية، يرتبط عدد كبير منها بمجالات مثل تاريخ الحديث، تاريخ القراءات، تاريخ الفقه، تاريخ الفرق الإسلامية، دراسات الخوارج، دراسات الشيعة، تاريخ التصوف، ودراسات نهج البلاغة.
التنوع الثقافي ومسألة فهم القرآن؛ قراءة لغوية وأنثروبولوجية

4327379

captcha