ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة...

مَنْ كَرُمَ خُلْقُهُ اتَّسَعَ رِزْقُهُ

22:13 - January 29, 2026
رمز الخبر: 3503354

مَنْ كَرُمَ خُلْقُهُ اتَّسَعَ رِزْقُهُ

 

بقلم الباحث اللبنانی فی الدراسات الدینیه السيد بلال وهبي

 ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: *"مَنْ كَرُمَ خُلْقُهُ اتَّسَعَ رِزْقُهُ".

العلاقة بين الأخلاق وسعة العيش أو ضنكه لا تحتاج إلى برهان يثبتها، فالتجربة الإنسانية أعظم براهينها، ذلك أن الإنسان أخلاق، يتعامل مع أخيه الإنسان بأخلاقه، بها يجتذبه إليه، وبها ينفر منه، فإن كان حسَنَ الخُلُق انجذب إليه أخوه الإنسان كما تنجذب الفراشة إلى النور، وإن كان سيّءَ الخُلُق نفر منه كما ينفر من الجيفة المُنتِنَة.

إن آثار الأخلاق الكريمة لا تقتصر على صعيد واحد، سواء في اجتذاب الناس واكتساب محبتهم، أم في تنفيرهم وإبعادهم، بل تمتد آثارها على مساحة علاقات الإنسان بربه، ونفسه، وما خلق الله تعالى، فإذا حسُنَت أخلاقه كان ذلك سببًا في رضا الله عنه، وكيف لا يفوز بذلك وقد تجلَّت فيه أسماء الله وصفاته الكريمة؟! وإذا ساءت أخلاقه ابتعد عن الله تعالى، وذلك لأن القرب منه والبعد عنه ليسا مكانيين ولا زمانيين، إنما هما بقَدْر حُسن أو سوء أخلاق الإنسان.

كذلك الحال في الآثار النفسية للأخلاق، فمن حسُنَت أخلاقه أراح نفسه وأراح غيره، ومَن ساءت أخلاقه عذَّب نفسه، وهذا أمر لا لبس فيه، والفرق بين الحالَين واضح لنا جميعًا، إن الغضوب الحقود الحسود، وصاحب اللسان البذيء، والعجول، والطمّاع، والبخيل، والخوّان، والكذاب، والمنافق لا شك أنه يُعذِّب نفسه، ويجلب إليها المهانة والذِّلَّة، أما الشخص المحب الودود، والصادق الأمين، والكريم، وصاحب اللسان الطيب فإنه يجلب لنفسه الكرامة والاحترام والتقدير.

أما عن آثارها الاجتماعية فلا عاقل ينكرها، يكفي أن نستحضر فضيلة أخلاقية واحدة كالصدق، أو الرذيلة التي تقابلها وهي الكذب، ونقف على تأثيرهما المباشر على علاقة الشخص بالآخرين، فالصدق يبني بينه وبينهم الثقة، والكذب يدمّرها، الصدق يجلب إليه الخير، والكذب يجلب إليه الشر، الصادق يتعاملون معه باحترام وتقدير، والكاذب ينفرون منه، الصادق يكثُر خيره ويبارك الله فيه لأن الآخرين يفضلوه على الكاذب الغشاش المخادع الخؤون.

هذه هي المعادلة التي يقرَّرها الإمام أمير المؤمنين (ع) "مَنْ كَرُمَ خُلْقُهُ اتَّسَعَ رِزْقُهُ" وأهم ما يُلفت النظر فيها أن الإمام (ع) جعل كَرَم الخُلُق سببًا لوفرة الرزق وليس نتيجة لها، كما يذهب إليه البعض، فالأخلاق حسَنَة كانت أم سيِّئة ليست نتيجة للوفرة بل سبب لها، ألا ترى قارئي الكريم أن الأثرياء غالبًا ما يدعوهم ثراؤهم إلى الطغيان، وأن الطُّغاة يزدادون طغيانًا وظلمًا وعُتُوًّا وإفسادًا كلما أثْرَوا واغتَنَوا. ونرى فقراء لكنهم في القِمَّة من الأخلاق الفاضلة. مما يعني أن الأخلاق ليست أمرًا كماليًا، إنما هي روح الحياة، وروح العلاقة الإنسانية، وطاقة اجتماعية تنتج الثقة، وتفتح القلوب، وتُيَسِّر سُبُل العيش الكريم، ومن هنا تكون سببًا لِسَعَة الرِّزق، ورَغَد العَيش.  

ومن هنا فإن علاقة الإنسان بالأخلاق هي علاقة روحه بجسده، فكما لا يمكن للجسد أن يعيش من دون روح، كذلك الإنسان لا يمكنه أن يبني علاقات سليمة مع غيره، ولا يمكن أن تستقر حياته إلا بالأخلاق الحسَنَة، مِمّا يعني أنه إن لم يلتزم بالقيم الأخلاقية لكمالها، فعلى الأقل أن يلتزم بها لأن مصلحته تكمن فيها، ولعل الكثير من الناس يلتزمون بالقِيَم الأخلاقية حفظًا لمنافعهم ومصالحهم، إلا القِلَّة منهم يلتزمون بها لكمالها. 

ولو دقَّق قارئي الكريم النظر فيما تواجهه البشرية اليوم من أزمات اقتصادية ومالية، وفقر وجوع، وصراعات سياسية حادّة، وحروب لا تتوقف، واعتداءات متمادية، وما يقتضي ذلك من ضَنَك في العيش، وضيق في الحياة، لوجد أن السبب الرئيس لذلك هو انعدام الأخلاق وحسب، وإلا فإن ثروات الأرض تكفي أهلها جميعًا.

captcha