
في الأيام التي يخيّم فيها شبح التهديد والحرب والمواجهة مرة أخرى على أجواء المنطقة وعقول المجتمع، فإن الرجوع إلى القرآن الكريم ليس فقط لتهدئة القلوب، بل هو ضرورة ملحة لفهم أعمق لمعادلات اليوم. القرآن هو كتاب الهداية في جميع الأزمان، وقد وضع في المنعطفات التاريخية مبادئ أمام المؤمنين لا تزال ترشد الطريق.
من هذه التعاليم الواضحة هي الآية 125 من سورة "آل عمران" المباركة حيث يقول الله تعالى إنه إذا كنتم من أهل الصبر والتقوى، حتى في وقت هجوم العدو بكل قوته وسرعته، فإن النصر الإلهي سيشملكم: "يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ".
هذه الآية، وإن نزلت في سياق معارك صدر الإسلام، إلا أن رسالتها لا تقتصر على الماضي. القرآن الكريم هنا يعبّر عن سنة دائمة: انتصار الأمم ليس فقط نتيجة للمعدات، أو عدد القوات، أو التفوق الظاهري؛ بل يتشكل من الارتباط بين الصمود في الميدان والنقاء الباطني.
للوهلة الأولى، قد يبدو إمداد الملائكة أمراً غيبياً بحتاً، لكن حقيقته أوسع من ذلك. يمكن أن يظهر النصر الإلهي بأشكال مختلفة؛ من تقوية معنويات المجاهدين وخلق التماسك الاجتماعي إلى الأخطاء في حسابات العدو، والانفراجات غير المتوقعة، وتوفير أسباب النصر. أحياناً، تعمل يد القدرة الإلهية في صميم هذه الأسباب الطبيعية والواقعية.
جوهر الآية و شرط هذا النصر هما الصبر والتقوى. الصبر ليس مجرد تسامح، بل هو مقاومة واعية، وثبات على المبادئ، ومثابرة على طريق الحق، وعدم الملل أمام الضغوط، كما أن التقوى لا تقتصر على العبادة الفردية، بل تشمل أيضاً النزاهة في القرارات، والعدل في السلوك، والصدق في القول، وتجنب الانحراف في المجالين الاجتماعي والسياسي.
أظهرت التجارب التاريخية أنه كلما ربط مجتمع ما بين المقاومة والتقوى، تغيرت المعادلة، وضعفت القوى العظمى وارتبكت؛ أما حيثما انقطع هذا الرابط، تلاشت المقاومة، وأصبحت التقوى مجرد شعار.
من ناحية أخرى، تحذّر هذه الآية أيضاً من أن العدو يدخل الميدان بغضب وسرعة؛ لذلك يجب ألا يغفل المؤمنون. فالمعرفة الدقيقة بالعدو، واليقظة، والاستعداد الشامل، والتحليل الصحيح للوضع، كلها جزء من الصبر الذي يؤكد عليه القرآن الكريم وقد يؤدي الصبر بدون بصيرة إلى الركود والسلبية."
اليوم أيضاً، لا تقتصر الحرب على الميدان العسكري فحسب؛ بل تشمل أيضاً المجالات الاقتصادية، والإعلامية، والثقافية، والنفسية. في مثل هذه الظروف، يمكن أن يظهر النصر الإلهي في شكل زيادة التماسك الوطني، ونمو الوعي العام، والهدوء الاجتماعي، وتقوية الثقة بالنفس الجماعية.
الرسالة النهائية لهذه الآية واضحة: مصير المعارك لا يتحدد فقط في الميادين الظاهرة، بل يتحدد في القلوب، والإرادات، والبنية الأخلاقية للمجتمع. إذا أصبح الصبر استراتيجية جماعية والتقوى مبدأً جارياً في الحياة، فإن الوعد الإلهي سيتحقق أيضاً بما يتناسب مع عصرنا.
هذه ليست مجرد رواية من الماضي؛ بل هي سنة حية وجارية لا تزال تنتظر تحقق شروطها بين عباد الله.
بقلم الناشط القرآني والإعلامي الايراني "أحمد زرنكار"