بقلم الباحث الديني في الشؤون اللبنانية السيد بلال وهبي"اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَوْلادِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَصْحابِ الْحُسَيْنِ".
ماذا أعطت
النهضة الحسينية المباركة للإسلام والمسلمين، هذا السؤال من المهم أن نجيب عليه في هذا اللقاء اليومي مع قارئي الكريم، السؤال مهم لأن تلك النهضة العظيمة لم تكن حدثًا عابرًا، بل هي نهضة ممتدة تجاوزت الزمان والمكان، ولم تزل مؤثِّرة حتى لحظتنا الراهنة، بل إن تأثيرها في ازدياد مطّرد، يكفي أن النهضات الإسلامية الحقيقية اليوم تنهل منها، والمقاومات التي تواجه مشاريع الهيمنة في المنطقة تتخذ منها المثل الأعلى.
مِمّا لا شك فيه أن النهضات لا تقاس بحجم التضحيات التي تقدمها، بل بحجم التحولات التي تحدثها في المجتمع والوعي والتاريخ، فربَّ ثورة تقدم تضحيات جسيمة ولكنها لا تحدث تغييرًا في الوعي والمجتمع، جُلُّ ما ينتج عنها استبدال حاكم بحاكم، أو نظام بنظام، فأما النهضة الحسينية كانت انعطافة كبرى في تاريخ الإسلام، ما زالت مفاعيلها حاضرة إلى اليوم، ومن هنا يمكن أن نتحدث عن أهم العطايا التي قدّمتها للإسلام.
أولى تلك العطايا: أنها حفظت الإسلام من الضّياع، فلو أن الامام الحسين (ع) لم يرفض البيعة ليزيد ولم ينهض إلى تكليفه، لأمكن للحزب السفياني أن يقضي على الإسلام، لا سيما مع تعاون كل المشركين، وتواطؤ اليهود معه على ذلك.
ففي زمن معاوية ويزيد لم تكن المشكلة في وجود حاكم ظالم وحسب، بل في تقديم الانحراف السياسي والأخلاقي على أنه الإسلام نفسه، فلو استمر ذلك دون أن يواجهه الحسين (ع) لاختلطت مفاهيم الدين وقيمه بمفاهيم السلطة الأموية وقيمها، ولأصبح الدين نفسه غطاءً وسندًا للجور والاستبداد.
ومن هنا جاءت نهضة الحسين (ع) لتحفظ للدين أصالته، ولتقيم حدًا فاصلًا بين الإسلام المحمدي الأصيل وبين الإسلام الذي أرادت السلطة الأموية أن تختلقه، فأعلن الحسين (ع) بشهادته وشهادة أهل بيته وأصحابه، أن كل ما يخالف العدل والحق والكرامة لا يمثل الإسلام وإن رفع شعاراته، ولولا نهضته المباركة لالتبس الحق بالباطل على المسلمين لا سيما على الأجيال التالية.
الثانية: أن النهضة الحسينية المباركة أرست للأمة معيار التمييز بين الحق والباطل، وهذا والله من أهم ما تحتاجه الأمة، ذلك أن أخطر ما يصيبها أن تفقد ذلك المعيار، فقد يمتلك الباطل القوة والقدرة والمال والدعاية والإعلام فيظنه الناس حقًا، وقد يكون الحق ضعيفًا ومحاصَرًا، وقليل الإمكانيات، فيظنه الناس باطلًا، وقلة من الناس تطلب الحق وتبحث عنه، وكثير منهم إذا عرفه قد لا يحمله، لذلك جاءت النهضة الحسينية لتؤكد أن الحق حق وإن كان ضعيفًا، والباطل باطل وإن كان قويًا، والحق حق وإن كان أتباعه قِلَّة، والباطل باطل وإن حملته الأكثرية من الناس، ومذاك أصبحت الأمة تمتلك معيارًا تستطيع بواسطته أن تميِّز بين الحاكم العادل والحاكم الجائر، وبين المنفعة والحق، وبين الطاعة الواجبة والطاعة المحرَّمة.
الثالثة: لقد أبرزت النهضة الحسينية أهمية واحدة من أعظم القيَمِ الإسلامية وضرورتها لاستقامة الأمة واستقرارها، وهي قيمة مقاومة الظلم، فعلّمت المسلمين أن الظلم ليس قدرًا لا يمكنهم ردُّه، وأن الاستبداد ليس قضاءً يجب التسليم له، وأن الطغيان ولو كان مِمَّن يُسَمِّي نفسه خليفة لا يجوز القبول به بحال من الأحوال، وأن المؤمن لا يفقد مسؤوليته الشرعية والأخلاقية أمام الانحراف مهما بلغت قوة المنحرفين. ولهذا تحولت عاشوراء إلى مدرسة للأحرار في كل عصر، فكل من يواجه الظلم يجد في الحسين (ع) نموذجًا مُلهِمًا له.
الرابعة: قدمت النهضة الحسينية الإصلاح كفريضة إلهية، وواجب ديني، لا يجوز التهاون فيه بحال من الأحوال، فعندما أعلن الإمام الحسين (ع) قائلًا: "إنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِرًا وَلَا بَطِرًا وَلَا مُفْسِدًا وَلَا ظَالِمًا، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي (ص)، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ".
فبهذا الإعلان أعاد للأمة وعيها بأن الدين ليس مجرد عبادات فردية، بل مشروع إصلاح شامل ودائم للحياة، فالإصلاح السياسي، والإصلاح الاجتماعي، والإصلاح الأخلاقي، والإصلاح الثقافي كلها مسؤوليات دينية وإنسانية، ومن هنا أصبحت النهضة الحسينية رمزًا دائمًا لحركة الإصلاح والتجديد في مواجهة الفساد والانحراف.