ایکنا

IQNA

خبیر ديني إیراني في حوار لـ"إکنا":

الأسرة تُعدّ نقطة إنطلاق بناء الحضارة في منطق القرآن

9:49 - June 29, 2026
رمز الخبر: 3505281
طهران ـ إكنا: أشار الخبير الديني الايراني "الشيخ سجاد رجبي راوري" إلى أن القرآن يُقدّم الأسرة باعتبارها أول وأهم بيئة لتربية الأفراد المؤثرين، قائلاً: "إن الأسر التي تُبنى على أساس الإيمان بالغيب، والإخلاص، والمثابرة، والرؤية التربوية البعيدة المدى، قادرة على أن تكون رائدة في صنع التاريخ".

الأسرة تُعدّ نقطة انطلاق بناء الحضارة في منطق القرآنوأعلن عن ذلك، الخبير الديني الايراني حجة الإسلام والمسلمين الشيخ سجاد رجبي راوري، في حوار خاص له مع وكالة الأنباء القرآنية الدولية (إكنا)، مشيراً إلى مكانة الأسرة في المنظومة التربوية للقرآن الكريم وقال: "إن القرآن ليس مجرد كتابٍ لسرد الأحداث التاريخية، بل هو كتابٌ للهداية والتهذيب. ولذلك، فهو يروي التاريخ لاستخلاص العبر وبناء المستقبل، ومن بين الأحداث التاريخية، يُسلّط الضوء على الأسر التي كانت مصدرًا لتطورات عظيمة على طريق هداية البشرية".

واعتبر أسرة عمران(ع) أحد أبرز النماذج القرآنية، مضيفًا: "لا يبدأ القرآن قصة مريم العذراء(سلام الله عليها) منذ ولادتها، بل يعود إلى النقطة التي بدأ منها أساس تكوين هذه الشخصية العظيمة؛ ألا وهو نذر والدة مريم(سلام الله عليها)".

واستشهد هذا الخبير الديني بالآية 35 من سورة آل عمران، "إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّی نَذَرْتُ لَکَ مَا فِی بَطْنِی مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّی إِنَّکَ أَنْتَ السَّمِیعُ الْعَلِیمُ"، قائلاً: "نذرت زوجة عمران(عليه السلام) ابنتها لخدمة الله وذلك قبل أن تعرف جنس مولودها. يعكس هذا الفعل نظرة التوحيد والتطلع إلى المستقبل لدى عائلة تعتبر تربية الطفل في إطار الرسالة الإلهية".

ورأى أن من أهم دروس هذه الآية أدب العبودية في فعل الخير، وقال: "على الرغم من نواياها الصادقة وأعمالها الجليلة، فإن أم مريم(عليها السلام) لا ترى نفسها بغنى عن رحمة الله، بل تسأله أن يتقبل أعمالها. وهذه هي المعنويات نفسها التي نراها في حياة إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) حين كانا يبنيان بيت الله الحرام. فرغم قيامهما بأعظم مهمة إلهية، يقولون: "رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّکَ أَنْتَ السَّمِیعُ الْعَلِیمُ". يُظهر هذا الرأي أن القيمة الحقيقية للأعمال لا تعتمد فقط على أدائها، بل أيضًا على قبول الله لها".

وفي إشارة إلى تكملة قصة السيدة مريم (عليها السلام)، قال الشيخ رجبي راوري: "بعد ولادة السيدة مريم (عليها السلام)، تغيرت الظروف ظاهريًا عن نذر والدتها الأول، لكنها لم تتراجع عن قرارها الإلهي. يكشف هذا الجزء من القصة عن أحد أهم السنن الإلهية؛ وهو أن الإنسان يُختبر عادةً عند النقطة التي ينوي فيها الخير. هذه الاختبارات ليست للقضاء على النوايا الالهية، بل لنموها وتكاملها".

وأكد أنه حتى في تسمية مريم (س) يظهر الالتزام بالنية الإلهية، وقال: "في بعض الروايات، اسم "مريم" يعني السيدة العابدة وخادمة المعبد. هذا يدل على أن أم مريم (س) سعت للحفاظ على دافعها الإلهي في جميع مراحل الحياة، وألا تسمح لمرور الزمن أو تغير الظروف بأن يبهت هدفها الأولي".
الأسرة تُعدّ نقطة إنطلاق بناء الحضارة في منطق القرآن
وأشار هذا الباحث القرآني إلى مكانة السيدة مريم (س) في القرآن، مصرحاً: "عندما يتحدث القرآن الكريم عن شخصيات مثل مريم (س) وآسيا، زوجة فرعون، فإنه لا يقدمهن كنموذج للنساء فقط، بل يقول في سورة التحريم: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِینَ آمَنُوا"؛ أي أن هذه النماذج تخص جميع المؤمنين، وكل إنسان مؤمن يمكنه الاستفادة من سيرتهن".

وأكد أن "القرآن يفرق بين أداء العمل وقبوله"، وأشار إلى جزء من الآية 37 من سورة آل عمران المباركة "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ" وقال: "قد يقوم الكثير من الناس بعمل صالح، لكن ما له قيمة حقيقية هو مدى قبوله عند الله؛ وهو أمر يعتمد على الإخلاص والتقوى والنية الإلهية".

وتابع الشیخ رجبي راوري: "بعد قبول الله لنذر أم مريم (س)، هيأ لها سبل النمو أيضًا، وقال في القرآن: "وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا". كانت أم مريم (س) تتمنى أن يكون ابنها خادمًا لبيت الله، لكن الله هيأ الظروف ليتولى أحد الأنبياء العظام رعاية وتربيتها. هذا يدل على أن الله ينمي النوايا الصادقة بما يفوق تصور الإنسان".

واعتبر هذا الخبير الديني أن إحدى الخصائص الأخرى لوالدة السيدة مريم (ع) هي نظرتها البعيدة في الدعاء، وصرح قائلاً: "إنها لا تدعو لنفسها أو لابنها فقط، بل تشارك الأجيال القادمة في دعائها وتقول: "وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِکَ وَذُرِّیَّتَهَا مِنَ الشَّیْطَانِ الرَّجِیمِ". هذه النظرة تعرض أفقاً حضارياً وتربوياً يأخذ في الاعتبار مستقبل الأجيال أيضاً.

واعتبر الإيمان بالغيب أول سمة للعائلات الصانعة للتاريخ، وقال: "إن القرآن في بداية سورة البقرة، يقدم الإيمان بالغيب كأول سمة للمتقين. والدة السيدة مريم (ع) أيضاً، دون أن تشاهد نتيجة نذرها، وثقت بوعد الله وبنت مسار حياتها على أساس الإيمان والتوكل. العائلات التي تريد أن تكون مصدر تغيير، يجب أن تطبق هذا الإيمان في قرارات الحياة المهمة".

وأضاف الشیخ رجبي راوري: الصمود أمام الاختبارات الإلهية هو أيضاً شرط لتحقيق النوايا الكبيرة. تجربة والدة السيدة مريم (ع) تظهر أن النوايا الإلهية لا تؤتي ثمارها دون المرور بميدان الاختبار، وهذا الثبات هو الذي يحول قراراً فردياً إلى تيار مؤثر في التاريخ.

وأكد أن العديد من التحولات التاريخية الكبرى بدأت من داخل العائلات، وقال: "إن عائلة عمران (ع) تربي السيدة مريم (ع)، والسيدة مريم (ع) تمهد لظهور السيد المسيح (ع). هذه السلسلة التربوية تظهر أن الأسرة هي أهم مؤسسة لتربية الأفراد صانعي الحضارة والمؤثرين".

وفي إشارة إلى عائلة السيد مسلم بن عقيل (عليه السلام)، قال هذا العالم الديني: "تماشيًا مع هذه النماذج القرآنية، تُعد عائلة مسلم بن عقيل (عليه السلام) مثالًا على العائلات التي صنعت التاريخ. خطا مسلم بن عقيل (عليه السلام) خطواتٍ حثيثة كسفيرٍ للإمام الحسين (عليه السلام) في سبيل نصرة الحق والولاية، وأظهر دعم أسرته لهذا الدرب أن صناعة التاريخ ليست نتاج جهود فردٍ فحسب، بل هي ثمرة بناء أسرةٍ يسير جميع أفرادها على نهج القيم الإلهية".

واختتم حديثه بالتأكيد على أن قصة أسرة عمران (عليه السلام) ومريم (عليها السلام)، ونماذج أخرى كعائلة مسلم بن عقيل (عليه السلام)، تُبين أن الأسر التي تصنع التاريخ تُبنى على الإيمان بالغيب، وإخلاص النية، والصبر في المحن، والتطلع إلى المستقبل، والتربية الإلهية؛ وهو نموذجٌ يُمكن أن يكون نبراسًا للأسر المسلمة اليوم في سبيل تربية أجيالٍ مؤمنةٍ ومسؤولةٍ تُسهم في بناء الحضارة".

4360544

captcha