بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبيقال الله تعالى: "وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ" ﴿لقمان: 22﴾.
أن تكون ولِيًا لله يعني أن تستسلم مطلقًا لإرادته ومشيئته، يعني ألّا تخطو خطوة إلا إذا تيقنت أن لله فيها رضا، وأن تتورَّع عن كل أمر ليس لله فيه رضا، بل تتورَّع عن كل أمر تحتمل أن لا يرضاه الله، هذا هو إسلام الوجه لله.
إنه الاستسلام المطلق لله، الاستسلام بكامل معناه، والطمأنينة لقدر الله، والانصياع لأوامر الله وتكاليفه وتوجيهاته، والإقبال الكامل عليه بكل أقوال الإنسان وأفعاله، بحيث يكون الإنسان كله خاضعًا لله فكرًا وشعورًا، ويكون الله غايةَ تطلعاته، فيجعل كل خطوة يخطوها بيد الله، فهو الذي يحدِّد وجهته في كل مواقع رضاه، مع الشعور بالثقة والاطمئنان للرحمة، والرضى الوجداني، رضى يورث السكون والارتياح، كل أولئك يُعَبَّر عنه بإسلام الوجه إلى الله، والوجه أكرم وأعلى ما في الإنسان.
ولعل من أبرز مصاديق إسلام الوجه لله ذلك التسليم المطلق الذي كان من أبي الأنبياء إبراهيم وابنه إسماعيل (ع)، حين أمر الله إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل وبيده، فاستسلم الاثنان لذلك التكليف على الرغم من مشقَّته وكُلفته، استسلما له كما لو أنهما يفعلان أمرًا محبوبًا لهما، أمرًا فيه راحتهما وطمأنينتهما، قال تعالى: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴿102﴾ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴿103﴾ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿104﴾ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿105﴾ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴿الصافّات: 106﴾.
ومحل الشاهد في الآيات الكريمة قوله تعالى (فَلَمَّا أَسْلَمَا) فقد كان ذلك استسلامًا مطلقًا منهما لأمر الله ومشيئته، وقد نتج عن هذا التسليم المطلق أن نجحا في ذلك الابتلاء العظيم، مِمّا جعل إبراهيم أهلًا للإمامة، كما نصَّت آيات أخرى، وجازاهما الله بأن جعل هذا العمل أصلًا لشعيرة الأضحية، وسُنَّة في الأوّلين والآخِرين.
وما يلفت النظر في الآية التي نحن بصدد الحديث عنها أن الله قال: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ) حيث تعدّى الفعل (يُسلِم) بحرف الجرِّ (إلى) بدلًا من حرف (اللام) كما في قوله تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ﴿آل عمران: 20﴾، هذا الاختلاف جاء للإشارة إلى أن في هذا الإسلام (التسليم) عناءً، وتعبًا، وصراعًا داخليًا في كيان الإنسان، حتى إن المرء ليقود نفسه ويدفعها دفعًا إلى الله على الرغم من المشاق التي يواجهها في سبيله.
ثم إن الذي يُسلِم وجهه لله يستمسك بالعروة الوثقى. والعُروة: ما يناط به الشيء، ويعلّق به، ومنه عروة القميص، وهي ما يدخل فيه الزرُّ، وجمعها عُرى، والوثقى: القوية، المتينة، مؤنَّث الأوثق، ومنها الثقة: وهي الشعور بالاطمئنان للشيء الموثوق به.
فالعروة الوثقى لا تنقطع، ولا تضعُف، ولا تخون مُتمسِكًا بها في سرّاء أو ضرّاء، ولا يضل من يشد عليها في الطريق الوعر والليلة المظلمة، هذه العروة الوثقى هي الصلة الوثيقة الثابتة المطمئنة بين قلب المؤمن المستسلم وربه، الطمأنينة إلى كل ما يقدِّره الله في رضى وقبول، طمأنينة تحفظ للنفس هدوءها وسكينتها ورباطة جأشها في مواجهة الأحداث، وفي الاستعلاء على السَّرّاء فلا تبطر، وعلى الضّرّاء فلا تصغر، وعلى المفاجئات فلا تذهل، وعلى المصاعب في طريق الإيمان، فالرحلة طويلة وشاقة وحافلة بالأخطار، وخطر المتاع فيها والوجدان ليس أصغر ولا أقل من خطر الحرمان فيها والشقاء، وخطر السَّرّاء فيها ليس أهون ولا أيسر من خطر الضراء، ومن هنا الحاجة إلى السند القوي القادر، والعليم الخبير الحكيم.
إن من أخطر ما يواجهه المؤمن في هذا العصر كثرةُ الأصوات التي تحاول أن تجعل المرجعية النهائية في حياته للرغبات، أو للمصالح الآنية، أو لضغوط الواقع، أو لأهواء الجماعة والبيئة. أما هذه الآية الكريمة فإنها تعيد ترتيب البناء الداخلي للإنسان من أساسه، فتجعل المرجعية الأولى والأخيرة لله سبحانه، وتجعل قيمة الإنسان الحقيقية في مقدار ما أسلم وجهه لله، لا في مقدار ما حصَّل من نفوذ أو مال أو شهرة أو موقع اجتماعي.
ومن هنا فإن المؤمن المعاصر أحوج ما يكون إلى أن يسأل نفسه قبل كل موقف وقرار:
ماذا يريد الله مني؟ لا ماذا أريد أنا، ولا ماذا يريد الناس مني. فإن كثيرًا من الانحرافات الكبرى في حياة الأفراد والجماعات تبدأ من انتقال مركز القرار من الله إلى الهوى، ومن الوحي إلى الرغبة، ومن التكليف إلى المصلحة القريبة.