ایکنا

IQNA

عندما يشعر الحلفاء بأن واشنطن تخلت عنهم

قراءة في التحول الأمريكي بعد الحرب مع إيران

15:42 - July 05, 2026
رمز الخبر: 3505378

اقراءة في التحول الأمريكي بعد الحرب مع إيرانبقلم الباحث والمحلل السیاسی "رسول حسين ابو السبح"

لم تعد الأسئلة في الشرق الأوسط تدور حول من انتصر عسكريًا، بل حول من يملك زمام القرار السياسي بعد انتهاء المواجهة، فالحروب قد تُحسم في الميدان، لكن نتائجها الحقيقية تُكتب على طاولة المفاوضات، وهناك يبدو أن الولايات المتحدة أعادت رسم أولوياتها بصورة أربكت أقرب حلفائها.

التحليل الذي نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية يعكس حالة غير مسبوقة من القلق داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، فبحسب الصحيفة، لم تعد إسرائيل وحدها تشعر بأن واشنطن غيّرت اتجاه بوصلتها، بل تشاركها هذا الشعور دول خليجية عربية رأت أن الإدارة الأمريكية باتت تمنح الأولوية لاحتواء التوتر مع إيران، حتى لو جاء ذلك على حساب هواجس شركائها التقليديين.

هذه القراءة لا تعني بالضرورة أن الولايات المتحدة تخلت عن تحالفاتها، لكنها تكشف عن تغير في منهج إدارة الأزمات، فالإدارة الأمريكية تبدو أكثر اهتمامًا بمنع اندلاع حرب إقليمية واسعة، وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، وهي أهداف قد تدفعها إلى فتح قنوات تفاهم مباشرة مع طهران، حتى في ظل استمرار الخلافات العميقة معها.

ومن اللافت أن إسرائيل، التي اعتادت لعب دور الشريك الأول في رسم الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف، فبحسب القراءة الإسرائيلية، أصبحت واشنطن تتخذ قرارات مصيرية تتعلق بالملف الإيراني انطلاقًا من حساباتها الاستراتيجية الخاصة، وليس بالضرورة وفق الرؤية الإسرائيلية، وهذا ما يفسر تصاعد الانتقادات داخل الإعلام الإسرائيلي، الذي يرى أن تل أبيب انتقلت من موقع المؤثر إلى موقع المتلقي لنتائج التفاهمات الأمريكية.

أما بالنسبة للدول الخليجية، فإن المشهد يبدو أكثر براغماتية، فمع إدراكها أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة في الانخراط العسكري المباشر كما في السابق، أصبح الحوار مع إيران خيارًا سياسيًا يهدف إلى تقليل المخاطر الأمنية وضمان استقرار المنطقة، وليس بالضرورة تعبيرًا عن تقارب استراتيجي دائم، وهو تحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأمن الإقليمي لن يبنى على التحالفات الخارجية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى تفاهمات بين القوى الإقليمية نفسها.

المفارقة أن ما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه جبهة موحدة ضد إيران، بات اليوم يضم أطرافًا تختلف في وسائل التعامل معها، فبينما تميل واشنطن إلى إدارة الصراع عبر الدبلوماسية والردع، لا تزال إسرائيل تنظر إلى أي انفتاح أمريكي على طهران باعتباره مخاطرة قد تمنح إيران مساحة أوسع لتعزيز نفوذها.

في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت أمريكا قد باعت حلفاءها، كما يصف بعض المعلقين الإسرائيليين، بل ما إذا كانت المنطقة دخلت فعلًا مرحلة جديدة تُبنى فيها التوازنات على المصالح المتغيرة أكثر من التحالفات التقليدية، وإذا صح هذا التقدير، فإن الشرق الأوسط يقف أمام معادلة سياسية مختلفة، عنوانها أن الحوار، مهما كان هشًا، أصبح جزءًا من أدوات إدارة الصراع، وأن النفوذ لم يعد يُقاس فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا بالقدرة على فرض شروط التفاوض وصياغة مستقبل الإقليم.

captcha