بقلم الباحث العراقي في الدراسات الاسلامية السيد محمد الطالقاني
في كل عام تنطلق المسيرات الحسينية الكبرى من مدينة النجف الاشرف الى مدينة كربلاء الدم تخليداً لذكرى أربعينية سيد الشهداء وأبي الاحرار الامام الحسين (عليه السلام), تتحرك هذه المسيرات لتعاهد الامام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام) على مواصلة الدرب والثبات على نهجهم الثائر مهما تفرعن الطغاة.
وفي عام 1977 م كان هنالك حظر تام على المواكب الحسينية, حيث قامت السلطة الحاكمة بانزال القوة المسلحة من الامن والمخابرات والحزبيين الى شوارع مدينة النجف الاشرف لارعاب الناس وتحذيرهم من عدم الخروج بمواكب حسينية, وفرضت السلطات البعثية الكافرة أحكاماً جائرةً ضد الجماهير الحسينية بمنعهم من أداء مراسيم الزيارة الى مدينة كربلاء كما منعت جميع الشعائر المتعلقة بالإمام الحسين (عليه السلام), لكن الامة المؤمنة بمبادئ الامام الحسين (عليه السلام) لم تأبى ذلك فانطلقت شاهرة سيوفها بوجه الحكم العفلقي الاستبدادي الجائر, متجاهلين ذواتهم ومصالحهم, ومتخلين عن أهوائهم وشهواتهم, هدفهم إعلاء كلمة الله واحقاق الحق. فبدأت المواجهة الكبرى مع النظام البعثي الكافر حيث تحدّت الجماهير الحسينية الطائرات والدبابات,والحديد والنار بدروع بشرية ليعلنوا بداية انتفاضة حسينية اسلامية كبرى.
فقام الشباب الحسيني المؤمن بالتخطيط للخروج بمسيرة عزائية ليلة العاشر من المحرم سنة 1977م وتوزعت عدة مجاميع على أطراف مدينة النجف الاربع.
فأحست السلطة الحاكمة بذلك فقامت باعتقال العشرات من الشباب المؤمن قبل المسيرة واودعتهم السجون, ولكن عزيمة الشباب لم تبرد أبداً ولم تهدأ فقد قرروا الخروج في يوم الخامس والعشرون من المحرم حيث ذكرى استشهاد الامام زين العابدين (عليه السلام), لكنهم بعد ان استشاروا الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر (قدس) بهذا الامر كان الرأي أن تتأجل المسيرة الى يوم اربعينية الامام الحسين (عليه السلام) وذلك لان التجمع البشري في هذا اليوم أفضل من غيره مما يعطي للمسيرة رونقاً خاصاً.
لذا قام الشباب الحسيني بحملة إعلامية كبيرة على مستوى محافظة النجف الاشرف خصوصاً وعلى مستوى المدن الشيعية الاخرى عموما بالاعداد لمسيرة الاربعينية في عام 1977م .
فاخذت المجاميع الحسينية تعقد لقاءات يومية في مجلس عزاء حسيني كان قد اقيم في تلك الفترة الحساسة في بيت أحد وجهاء مدينة النجف الاشرف وهو بيت ثقة المراجع (المرحوم السيد جابر الصائغ) حيث تم تهيئة أعلام صغيرة خضراء اللون كتب عليها (نصر من الله وفتح قريب), وتقرر أن تكون ساعة الصفر للمسيرة الكبرى في الساعة الحادية عشر من صباح الخامس عشر من شهر صفر عام 1397 هـ.
وهنا أحسّت السلطة الحاكمة بالخوف من تلك المسيرة الكبرى فأخبرت أزلامها في النجف بالالتقاء بالعشائر ورؤساء المواكب الحسينية وإقناعهم بعدم الخروج للمسيرة بشتى الاساليب ومهما كلف الامر بذلك.
فعُقدت عدة لقاءات مع وجهاء محافظة النجف الاشرف ورؤساء المواكب الحسينية كان أولها ذلك الاجتماع الذي عقد في مدرسة "الخورنق" من قبل مسؤول الكادر الحزبي ,واخرها الاجتماع الذي عقده محافظ النجف والذي اتسم بطابع التهديد والوعيد وحاول أن يمنع عملية المسير الى كربلاء بشتى الوسائل.