وبحضور وزير الخارجية الایراني، "سيد عباس عراقجي"، افتُتح اليوم الأحد الموافق 9 أغسطس/ آب 2026 م معرض "محرم وعاشوراء في مرآة وثائق وزارة الخارجية"، والذي نُظم بمبادرة من مركز الدراسات السياسية والدولية التابع للوزارة.
وشهد حفل الافتتاح حضور رئيس مؤسسة الدراسات الإيرانية ووزير الخارجية الايراني الأسبق، علي أكبر صالحي، ورئيس الأرشيف الوطني والمكتبة الإيرانية، غلام رضا أميرخاني، بالإضافة إلى لفيف من النواب، والسفراء، والدبلوماسيين، والباحثين الإيرانيين والأجانب.
وقد استعرض المعرض مجموعة من الوثائق التاريخية، والأعمال الفنية، والدراسات البحثية التي تُسلط الضوء على شهر محرم وذكرى ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) في
واقعة عاشوراء.
أكد وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي، اليوم الأحد خلال فعالية معرض "محرم وعاشوراء في مرآة وثائق وزارة الخارجية" أن وثائق عاشوراء تُظهر بوضوح "إرادة إيران الحضارية" في مواجهة نظام الهيمنة والقوى الاستعمارية، قائلاً: إن دبلوماسية إيران في هذه الوثائق ليست دبلوماسية جافة وجامدة وانتهازية، بل هي دبلوماسية إنسانية.
وصرّح وزير الخارجية عباس عراقجي أن إيران لن تسمح بنسيان أو تجاهل الدماء التي أُريقت ظلماً، ولن تنسى ولن تغفر، مشدداً على ثبات إيران على عهدها بالمقاومة رغم كل الضغوط.
وفيما يلي النص الكامل لكلمة وزير الخارجية الايراني:
"بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمین وصلی الله علی سیدنا ومولانا ابي القاسم محمد وعلی أهل بیته الطیبین الطاهرین المعصومین، بِهِمْ نَتَوَلَّی وَمِنْ أَعْدَائِهِم نَتَبَرَّأ إِلَی اللَّه، الی یوم القیامة.
لقد اجتمعنا اليوم في افتتاح فعالية لا يقتصر موضوعها على عرض مجموعة من الوثائق الإدارية والمراسلات التاريخية، بل هو جزء من الذاكرة الحية لأمة: ذاكرة مرتبطة باسم الإمام الحسين (عليه السلام)، وحادثة كربلاء، وثقافة عاشوراء، وشعائر شهر محرم.
إن
ثورة الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في تاريخ البشرية، تتجاوز كونها حدثاً تاريخياً أو دينياً، فهي "مدرسة حياة" و"بيان خالد" حول أصالة العدالة والسعي وراء الحقيقة، و"وثيقة أساسية" للمقاومة ضد الطغيان والانحراف والفساد، ودفاعاً عن كرامة الإنسان.
هذه الثورة هي لغة العدالة العالمية، وقد اختار الشعب الإيراني على مرّ القرون هذه المدرسة التحررية محوراً للحياة الإيمانية في مختلف مجالات الحياة الشخصية والاجتماعية والوطنية، ولغةً بليغةً في سعيها وراء الحقيقة ومناهضة الهيمنة على الساحة الدولية.
يمثل هذا الحدث الوثائقي اليوم فرصة قيّمة لاستكشاف الذاكرة الجماعية للإيرانيين وإعادة قراءة الروابط العريقة لهذه الأرض مع العالم من خلال نافذة محرم وعاشوراء والشعائر المرتبطة بهما. كل وثيقة شاهدة على تفاعل، وكل صفحة تروي محاولةً لإعادة ربط الإيرانيين بهذه الثورة عبر التاريخ.
إنّ دراسة مئات الوثائق غير المنشورة، والتي يُعرض بعضها اليوم لأول مرة، تُعرّفنا بحقيقة جوهرية: وهي أن حماية المواقع المقدسة وتعزيز ثقافة عاشوراء كانا دائمًا جزءًا لا يتجزأ من الالتزام الوطني والهوية الدبلوماسية للإيرانيين في تفاعلاتهم مع العالم، حتى في ظلّ إلحاد بعض الحكام ومعاداتهم للدين، لا سيما خلال الحقبة المظلمة لنظام بهلوي العميل.
من تقارير مراسم عاشوراء في سانت بطرسبرغ وإسطنبول والقوقاز والمدن الهندية، إلى تأسيس تكيات مشتركة في بادكوبه ومدرسة الشرف في بغداد، كل هذا يُشير إلى أن إيران كانت مركزاً حضارياً هاماً في تعزيز القيم الإنسانية والروحية القائمة على هذا الإرث الخالد لعاشوراء.
الشجاعة تُقاس بالاستعداد للتضحية القصوى في سبيل القضية
وفي أعماق هذه الوثائق، يتجلى بوضوح إرادة إيران الحضارية في مواجهة نظام الهيمنة والقوى الاستعمارية. لا تُصوّر هذه الوثائق الدبلوماسية الإيرانية كدبلوماسية جافة وجامدة وانتهازية، بل كدبلوماسية إنسانية محورها الإنسان، تستغل كل فرصة سانحة للارتقاء بالقيم الإنسانية. وبعبارة أخرى، تُقرّب هذه الوثائق التاريخ من مستوى القرارات الرسمية إلى مستوى التجربة الإنسانية.
وفي هذا المجال، لا يُسجّل محرم وعاشوراء كطقوس دينية فحسب، بل يُلاحظ حضورهما في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والعلاقات بين الأمم: من ضمان أمن الزوار وتيسير شؤون إقامتهم وسفرهم، إلى متابعة صحتهم وأحوالهم الطبية، وحتى عودة الزوار المحتاجين؛ ومن دعم إقامة مراسم العزاء للإيرانيين المقيمين في الخارج، إلى السعي لإزالة القيود المتعلقة باللغة الفارسية والطقوس الدينية؛ ومن ترميم القباب والساحات ونوافير الشرب، إلى التبرع بالسجاد واللوحات الفنية والتحف لمراقد الأئمة الكرام.
تُظهر هذه الوثائق بوضوح أن ثقافة عاشوراء قد تشكلت في سياق اجتماعي، ولطالما كانت منبراً للحوار بين التقاليد الشعبية، والآراء الفقهية، والمتطلبات الاجتماعية، والمسؤوليات العامة. وبدلاً من تقديم صورة بسيطة وموحدة، تكشف دراسة هذه الوثائق عن تعدد طبقات هذه الثقافة وديناميكيتها.
من هذا المنظور، تُعد عاشوراء إرثاً دينياً وأخلاقياً في آنٍ واحد؛ فهي تذكير بالظلم ودعوة إلى المسؤولية؛ وهي حداد وتوعية في آنٍ واحد. إن رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء لا تقتصر على حدود جغرافية. إنها لغة الكرامة الإنسانية، تواجه الإهانة، وتنبذ اللامبالاة، وتقف في وجه الظلم. ولهذا السبب، استطاعت ثقافة عاشوراء أن تخلق بيئةً للحوار والتعاطف بين مختلف الأمم والثقافات.
يُظهر فحص دقيق لهذه "الوثائق" و"الصور" و"الطقوس" أن عاشوراء قد تجاوزت حرفياً نطاق الأحداث التاريخية، لتصبح "ظاهرة حضارية" زاخرة بالمفاهيم السامية. عاشوراء هي الرابط بين الأمس واليوم، والنور الهادي الدائم لهذه الأمة في مواجهة تحديات الماضي والحاضر والمستقبل.
هذا العام، يحمل محرم وعاشوراء في إيران لونا ونكهةً مختلفين. فقد تعرضت إيران، هذا البلد التاريخي، لهجوم جبان ووحشي من نظامين متغطرسين، خارجين عن القانون، وظالمين، هما النظام الأمريكي والكيان الصهيوني، وضحّت بالعديد من الشهداء في سبيل حرية الوطن وكرامته وثبات كلمة الله. وشهد الشعب الإيراني، الذي ينتمي إلى سلالة الحسين(ع)، إراقة دماء شهداء الثورة الإسلامية وأبنائه الأبرياء، من مدرسة "الشجرة الطيبة" في ميناب إلى سفينة ديا، مرورًا بأطفال لامرد وجنود إيران البواسل، لكنه صمد ببسالة وشجاعة دفاعاً عن شرفه واستقلاله، مُظهراً أنه جسّد رسالة عاشوراء بكل كيانه.
وعلى مر التاريخ، واجهت العديد من الأمم لحظات حرجة، ومفترقات طرق مصيرية، وخضعت شخصياتها للاختبار والمحاسبة. من الفقر والحصار إلى الحرب المفروضة والعدوان. في تلك اللحظات الحاسمة، أُجبرت الأمم المضطهدة على الإجابة عن سؤال جوهري: هل تستسلم وتعيش تحت نير الظلم، أم تدافع عن قيمها ومبادئها حتى الموت؟
إن الوطنية الحقيقية ليست ولاءً أعمى للوطن، بل هي ولاء للقيم التي تُضفي على ذلك الوطن معناه: الحرية، والعدالة، والكرامة الإنسانية، والضمان بأن الأجيال القادمة ستتمكن من العيش باستقلالية ضمن حدودها الجغرافية والتحكم بمصيرها.
إيران اليوم، تقف شامخة في وجه عاصفة اللاإنسانية والظلم
تُذكّرنا أحداث تاريخية عديدة، من بينها عاشوراء، بأن الشجاعة لا تُقاس بالغزو، بل بالاستعداد للتضحية القصوى والإخلاص للقضية. لم يكن الأبطال الذين أصبحوا مثالاً يُحتذى به للأجيال هم من سعوا إلى الهيمنة والسيطرة، بل على العكس، كانوا من صمدوا دفاعًا عن شعوبهم ومبادئهم، وإيمانا بأن الحق يجب أن ينتصر على القوة. وهكذا، ترك لنا سيدنا وقائدنا الإمام الحسين (عليه السلام)، إرثا عظيما، مفاده أن الموت بكرامة أشرف من الحياة المذلة، وهذه هي الحكمة الأزلية للمقاومة.
هو من علّمنا أن الحرية تتطلب تضحية، وأن الاستعداد للتضحية القصوى من أهم عوامل نجاة الأمة وانتصارها على أعدائها وظالميها عبر التاريخ.
لقد أثبت التاريخ مرارا وتكرارا أن الأمم حين تتخلى عن التضحية والمثابرة والسعي للحفاظ على استقلالها، فإنها تخسر أكثر من أرضها، إذ تُصبح مُعرّضة لخطر فقدان هويتها الجماعية وإرادتها الوطنية وقدرتها على رسم مستقبلها. واستعادة الكرامة بعد الاستسلام، إن لم يكن مستحيلاً، فهو في غاية الصعوبة. وبهذا الفهم والإيمان، وبالتأكيد بهذه الاستراتيجية، تقف إيران شامخة على عهدها بالمقاومة رغم كل الضغوط، وستصمد بإذن الله.
إيران اليوم هي إيران التي تقف في وجه عاصفة من اللاإنسانية والظلم. نلتزم بالعهد الذي قطعناه مع سيد شهداء العصر، القائد الأعظم، المرجع الأعلى، الشهيد السيد علي الحسيني الخامنئي، ولن نسمح بنسيان هذه الدماء التي أُريقت ظلماً أو تجاهلها. لن ننسى ولن نغفر. ستغلي هذه الدماء، وستجعل شجرة العدل والحق أقوى يوماً بعد يوم.
لأكثر من 1400 عام، تجاوزت حركة أخذ الثأر للإمام الحسين (عليه السلام) مجرد رد فعل عاطفي، لتصبح حركة اجتماعية وسياسية، بحراً هائجاً لا يهدأ، يحمل نداء الحق والعدل في كربلاء، ومناهضة الجرائم التي ارتكبت في عاشوراء في أقاصي الأرض. حيث صرخ الحسين، مثلي لا يبايع مثل يزيد حركةً تصاعدت عبر الزمن، بعد أكثر من 14 قرناً، على كلمات الحسين(ع)، وجعلت الدم ينتصر على السيف مرة أخرى.
إن هذه الرؤية وهذا النهج في بناء حركة الأخذ بالثأر هما ما حوّل عاشوراء إلى مدرسة إنسانية سامية، والتزام دائم بمحاربة جذور وأسباب وأسس الهيمنة والظلم.
وأخيرًا، أودّ أن أعرب عن امتناني لجميع الباحثين والخبراء في وزارة الخارجية، ودارسي الوثائق، وجميع الزملاء الذين شاركوا في إعداد وتنظيم هذا المعرض.
أفتتح المعرض بتكريم ذكرى واسم حضرة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وشهداء كربلاء، وذكرى واسم قائد شهداء الثورة الإسلامية آية الله العظمى السيد علي الخامنئي وشهداء الحربين الأخيرتين.
وأنا على ثقة بأن المعرض والاجتماع المتخصص حول محرم وعاشوراء في وثائق وزارة الخارجية سيفتحان نافذة لفهم أعمق وأشمل لصلة الإيرانيين بانتفاضة عاشوراء، وسيسلطان الضوء على جزء من جهودهم في سبيل الحفاظ على القيم الإسلامية وكرامة الإنسان.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
هذا ويذكر أنه يُقام الحدث والمعرض بعنوان "محرم وعاشوراء في مرآة وثائق وزارة الخارجية" في الفترة من 9 إلى 11 أغسطس/آب 2026، بدعم من مركز الدراسات السياسية والدولية التابع لوزارة الخارجية الايرانية.
المصدر: وكالات