بقلم الباحث اللبنانی فی الدراسات الاسلامیه "السيد بلال وهبي"
قال الله سبحانه وتعالى: *لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿سورة المجادلة: 22﴾".
"حزبان" تنقسم البشرية إليهما، حزب الله، وحزب الشيطان، ولا ثالث لهما، ولكلٍ وَلِيُّه ومَثَلُهُ الأعلى، ومنهجه، وغاياته، وقيمه. والمنتمون إلى أي منهما لهم صفاتهم وسماتهم النفسية والأخلاقية والسلوكية، وعلى المرء أن يختار الانتماء إلى أحدهما.
وهذا الانتماء لا يقصد به الانتماء التنظيمي أو السياسي المعاصر، وإنما يعني الجماعة التي تتوحَّد مرجعيتها ووجهتها وقيمها. فالانتماء الحقيقي من منظور القرآن ليس انتماء الدم ولا الأرض ولا العِرق، وإنما انتماء العقيدة والمنهج.
الآية الكريمة التي بين أيدينا تبيِّن لنا أهم الصفات العَقَدية والفكرية والأخلاقية لحزب الله الذي عُقِدَت على جبينه شارة الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة. وتبيِّن لنا أيضًا أن الإيمان الحق هو ارتباط روحي ومعنوي بالله تعالى، وانحياز وجودي كامل إلى الله، والتزام مطلق بأوامره ونواهيه، وتخلُّقٌ بما يمكن للإنسان أن يتخلّق به من آثار أسمائه الحسنى وصفاته العليا، ورِضا مطلقًا عنه الله في جميع الأحوال، في اليسر والعسر، وفي الغنى والفقر، وفي العافية والمرض.
وأول ما يلفت النظر في الآية الكريمة أنها تبدأ بوصف لحقيقة نفسية في منتهى الأهمية، فتقرِّر أن الإيمان الصادق يخلق في القلب بنية جديدة، يصبح معها من غير الممكن أن تستقر فيه مودتان متناقضتان، مودّة لله ورسوله، ومودّة مَن يحادد الله ورسوله. والمُحادَّة تعني أن يقف كل طرف في حدٍّ مقابل للآخر، أي أن يتحول الخلاف إلى مواجهة واعية وعداء للمشروع الإلهي. ولذلك لم تقل الآية: (من كفر بالله)، وإنما قالت: *(مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ)*، لأن الكفر شيء، واتخاذ موقف المحاربة والمشاقة شيء آخر.
وهذا التفريق بالغ الأهمية، إذ إن القرآن نفسه أمر بالإحسان إلى الوالدين غير المسلمين، وأجاز البِرَّ والقسط مع غير المسلمين المسالمين، فقال: *"لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" ﴿سورة الممتحنة: 8﴾* فليس في الآية مورد البحث دعوة إلى الكراهية المطلقة، وإنما إلى عدم منح الولاء القلبي لمن جعل نفسه في صَفِّ محاربة الحق. *﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾*.
وقد ركَّزت الآية على أقوى الروابط العاطفية. فالإنسان قد يضحي بماله، ولكنه يصعب عليه أن يتجاوز عاطفة الأبوة أو البنوة أو الأخوة. وهنا يظهر معنى الامتحان الحقيقي، إذ لا قيمة لتقديم ما لا نحبه، وإنما القيمة في تقديم ما نحبه إذا تعارض مع الحق. ولا يعني هذا أن المؤمن يصبح مجرداً من الرحمة أو الحنان تجاه أهله، وإنما يعني أن العاطفة لا تتحول إلى سلطة تتحكَّم في إيمانه بل الإيمان يتحكَّم في عاطفته. فالقرآن لا يقتل المشاعر، ولكنه يمنعها من أن تصبح إلهاً يُطاع من دون الله.
ثم تنتقل الآية الكريمة من الوصف -وصف علاقاتهم بالله وبالأقربين ناهيك عن البعيدين- إلى ذكر آثار هذا الإخلاص والتجرُّد لله، فتقول: *﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فٍي قُلُوبِهِمُ الإِيْمَانَ﴾*. وإنما عبَّرت الآية بكلمة (كُتِبَ) لبيان أن هذا الإيمان ليس أمرًا عابرًا يتأثّر بالأوضاع والأحوال، وإنما هو ثابت مستقر في أعماق القلب، كما تكتَب الكلمات على صفحة بحبر لا يُمحى، وهذا هو الفرق بين الإيمان الذي يُظهِره اللسان، والإيمان الذي يستقر في الوجدان، فالأول تهزه الضغوط، أما الثاني فيقاومها.
والأثر الثاني، وما أعظمه من أثر، وهو أثر دنيوي بالغ الأهمية *﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوْحٍ مِنْهُ﴾*. وهذه الروح هي حياة معنوية جديدة، حياة يرى بها الإنسان الأشياء بمعايير مختلفة، فيصبح الحق أحب إليه من المكاسب، والوفاء لله أغلى عنده من رضا الناس. والتأييد هنا يشير إلى أن الإنسان، مهما بلغ صدقه، لا يستطيع وحده أن ينتصر على جاذبية الهوى وضغط العاطفة ومغريات الدنيا، بل يحتاج إلى مَدد من الله. فالإنسان يبدأ الخطوة بإرادته، فإذا صدق في قصده، جاءه التأييد الإلهي الذي يثَبِت قلبه، ويقوي بصيرته، ويمنحه طاقة لا يملكها بنفسه.
وأما الأثر الأخروي *(وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا)* غير أن الآية لا تجعل دخول الجنة هو الذروة، بل تتجاوزها مباشرة إلى ما هو أعظم: *(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)* فالرضا هنا هو غاية ما تذهب إليه هممهم، وأعلى ما يُنعِم الله بهم عليهم. فالجنة نعيم مادي، أما الرضا فهو نعيم معنوي يفوقها ويتجاوزها في العظمة، بحيث تبلغ العلاقة بينهم وبين الله المرتبة الأسمى، فلا يبقى في النفس شيء تتمناه.
ثم تختم الآية بتحديد الهوية الإيمانية لهم فتقول: *(أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)* وذلك يعني أن إيمانهم مكتمل الأركان، فلا يبقى مجرد تجربة فردية، بل يتحوّل إلى مشروع أخلاقي وحضاري ينحاز صاحبه إلى الحق حيثما كان، مما يؤهلهم جميعًا إلى الفلاح في الدنيا والآخرة.