بقلم الباحث اللبنانی فی الدراسات الاسلامیه السيد بلال وهبي
قال الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴿سورة الصَّف: 4﴾".
تؤسِّس الآية الكريمة لمبدأ قرآني عام في بناء المجتمع المؤمن، فهي وإن كان الخطاب فيها عن رَصِّ الصفوف في القتال، لكنها تتجاوز ميدان الحرب إلى كل ميدان يراد فيه للحق أن يعلو وينتصر، ولا يكون ذلك إلا ببناء مجتمع متماسك متراصِّ الصفوف، يعتصم جميع أفراده بحبل الله، ويستمسكون بعروته الوثقى، فيشكلون بنيانًا مرصوصًا، يجعل من الإيمان إلى قوة جماعية تواجه قوى البغي والظلم.
فبعد أن أنكر القرآن -في الآية الأولى من سورة الصَّف- على الذين يقولون ما لا يفعلون، فقال تعالى: *﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾*، جاءت الآية التي نحن بصددها لتبيّن النموذج الذي يحبه الله، فقالت: *﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾*.
والمتحصِّل من الآيتين أن صدق الإيمان لا يُقاس بكثرة الأقوال والشعارات، وإنما بقدرة المؤمنين على التحوّل إلى قوة متماسكة تعتصم بحبل الله، وتعمل بروح واحدة، وتتجه إلى هدف واحد.
ولعل أول ما يلفت النظر في الآية أنها قيّدت هذا القتال بقيدين عظيمين: أن يكون القتال في سبيل الله وأن يكون المقاتلون صفًا متراصًا. فأما القيد الأول، فهو يحدد الغاية. وأما الثاني، فيحدد الطريقة، وهما معًا يرسمان فلسفة العمل في الإسلام.
فالعمل قد يكون من أجل غاية نبيلة، لكنه يفشل بسبب الفوضى والانقسام، وقد يكون منظمًا، لكنه يتحرك في سبيل غير الله، فيفقد قيمته. أما حين يجتمع الإخلاص مع النظام، والغاية مع المنهج، فإن العمل يصبح جديرًا بمحبة الله، ولهذا بدأت الآية بقوله تعالى: *﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾*. وليس هناك أعظم من أن يكون الإنسان محبوبًا عند الله، غير أن هذه المحبة لم تُجعل لمن يقاتل كيفما شاء، ولا لمن يتحرك بدافع العصبية أو الانتقام أو حب الظهور، وإنما لمن يقاتل في سبيل الله.
ثم تأتي صورة المجتمع المؤمن، فأفراده يجاهدون جميعًا *﴿صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾*، وهنا تكمن البلاغة في التشبيه، فالقوة ليست في الأفراد، وإنما في العلاقات التي تربط بينهم. فقد تكون اللبنة صغيرة، لكنها إذا خرجت من موضعها أحدثت ثغرة تهدد البناء كله. وقد يكون الإنسان عاديًا، لكنه إذا أهمل مسؤولياته، أو انشغل بذاته، أو أحدث انقسامًا، أضعف بناء المجتمع.
إن الله تعالى ينقل المؤمن من التفكير الفردي إلى التفكير الجماعي، ومن العمل الفردي إلى العمل الجماعي، ومن الغاية الفردية إلى الغاية الجماعية مما يفرض على المؤمن أن يسأل نفسه دائمًا: ما هو موقعي في المجتمع، وما هو دوري فيه، وما الذي يمكنني أن أقدمه، فاللبنة لا تنافس غيرها، ولا تزاحمه، ولا تحاول أن تحل محله، وإنما تتكامل معه. ولهذا فإن أخطر ما يصيب المجتمع ليس ضعف الإمكانات، وإنما تفكك بنيانه الاجتماعي.
ومن هنا نفهم لماذا لم يكتف القرآن بوصفهم بأنهم صف، بل قال: *﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾*. فالصف قد يجتمع أفراده، ولكن تبقى قلوبهم متفرقة. أما البنيان، فلا يقوم إلا إذا ارتبطت أجزاؤه بعضها ببعض ارتباطًا يجعل قوة كل جزء مستمدة من قوة المجموع. إنه انتقال من أفراد مجتمعين إلى وحدة عضوية متكاملة، يشد بعضهم أزر بعض، ويحب واحدهم لغيره ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها.
وهذا المعنى لا يخص ميادين القتال، فالقرآن هنا ينطلق من مشهد جزئي ليؤسس قاعدة عامة، تشكِّل المجتمع المؤمن، مفادها، أن المجتمع يجب أن يكون بنيانًا مرصوصا في جميع الميادين، فكل مجتمع لا يقوم على التكامل بين أفراده محكوم عليه بالاضمحلال والسقوط، فإن كثيرًا من الطاقات تضيع عندما تكون فردية ولا تتأطر في إطار عام يحشدها باتجاه غاية واحدة، وكثيرًا من المشاريع تفشل، لأن العاملين فيها لم يتحولوا إلى بنيان.
ولعل أخطر ما تكشفه الآية أن التصدع الداخلي أخطر من ضغط العدو الخارجي، فالعدو لا يستطيع أن يهدم البناء المتماسك بسهولة، لكنه ينفذ إليه من شقوقه الصغيرة، فيعمل على إحداث الشروخ فيه، أو يزيد من تسعير الخصومات، وصراع المصالح، والأنانية، ولهذا قال تعالى: *﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (سورة الأنفال: 46)*.
وفي زماننا هذا، نحن أحوج ما نكون إلى استحضار هذا المعنى القرآني. فليست مشكلتنا دائمًا في قِلَّة الموارد، ولا في ضعف الكفاءات، وإنما في غياب البناء. لدينا علماء، ومفكرون، ومؤسسات، وطاقات شابة مبدعة، لكن كثيرًا منها يعمل منفردًا، بينما يريد الله منا أن نكون بناءً واحدًا، تتكامل فيه الأدوار، وتتوزع فيه المسؤوليات، ويتقدم فيه المبدأ على الأشخاص، والرسالة على المصالح.