وقال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ﴿سورة الصف: 14﴾.
لا يكفي أن تكون مؤمنًا تمارس عبادتك اليومية و
شعائرك الدينية، بل يجب إضافة إلى ذلك أن تكون نصيرًا للحق وأهله، وأن يكون إيمانك قوة حيَّة في الدفاع عنه، وتحمّلًا دائمًا للمسؤولية الدينية والأخلاقية، وحركة دائبة في سبيل الخير والصلاح.
الآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى تحويل إيمانهم إلى موقف، والموقف إلى حركة، والحركة إلى مشروع، والمشروع إلى نهضة حضارية ربانية، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كانوا أنصار الله، أي أن ينهضوا إلى أداء واجبهم تجاه دينهم وأمتهم وقضاياهم، وأن يبذلوا ما يستطيعون من جهود في هذا السبيل، بنِيَّة صادقة، وقلب مُفعَم بالإيمان.
ومِمَّا لا شك فيه أن الله تعالى لا يحتاج إلى من ينصره ويعينه ـ سبحانه ـ وعندما ينادي بالمؤمنين أن يكونوا أنصاره، فإن ذلك من أبلغ صور تكريمه لهم، لأنه سبحانه ينسب إلى نفسه ما يقومون به من نصرة دينه، وإقامة الحق، وبسط العدل، والدفاع عن المظلومين، إن الله لا يحتاج إليهم، لكنهم هم الذين يحتاجون إلى أن يختارهم لأعظم دور في الحياة وهو نصرة الحق والعدل والدين.
إن أنصار الله لا ينصرون الذات الإلهية الغنية ذاتًا، وإنما ينصرون منهج الله في حياتهم، فيقفون حيث يريد الله، ويفعلون ما يرضيه، والله لا يريد منهم إلا الخير لهم، ولا يرضيه منهم إلا ما يرجع بالنفع عليهم، ولا يقتصر ذلك على ميدان دون آخر، فقد تكون نصرة الله في ميادين القتال، وقد تكون في ميدان العلم، وقد تكون في تربية إنسان، أو حماية أسرة، أو بناء مؤسسة، أو مواجهة فساد، أو قول كلمة حق، أو صناعة وعي، أو الدفاع عن مظلوم، أو حفظ كرامة إنسان. فمفهوم النصرة لا يُختزل في ميدان واحد، لأن الدين يستوعب جميع الميادين الإنسانية، لأنه في خدمة الإنسان.
ومن هنا فإننا نصل إلى حقيقة بالغة الأهمية وهي أنه لا يمكن لأي قائد مهما علا شأنه أن ينجز شيئًا من دون وجود أنصار، ينصرونه ويعينونه على أداء مهمته، ويحملون معه جزءًا من الهموم. فقد يمتلك النبي المعجزة، ويمتلك المصلح الرؤية، ويمتلك القائد الكفاءة، ويمتلك الثائر الشجاعة، لكن ذلك كله لا يكفي لصناعة التغيير.
فالفكرة تحتاج إلى إنسان يحملها، والرسالة تحتاج إلى رجال ونساء يتحوّلون إلى امتداد لها في الواقع. ولهذا لم يقل نبي الله عيسى بن مريم (ع): أنا رسول الله، ولذلك ستنتصر دعوتي حتمًا. بل قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾. إنها صرخة المُصلِح الذي يعرف أن الطريق إلى تغيير الواقع لا يقطعه وحده. وهذه حقيقة لا تخص الأنبياء وحدهم، فكل مشروع إصلاحي حقيقي يحتاج إلى شبكة من الأشخاص الذين يؤمنون به، ويثقون بقائده، ويثق بهم قائدهم، ويعرف كل واحد منهم أن دوره مهما قَلَّ ليس ثانويًا، وإنما هو دور أساسي في الميدان الذي يعمل فيه.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الحركات الإصلاحية والثورية والمقاوِ...مة أن يتحول جمهورها إلى متفرجين على المشروع، يتحمّسون للقائد، ويصفقون للخطاب، ويتأثرون بالمشهد، لكنهم لا يتحولون إلى عناصر فاعلة في صناعة الواقع، والقرآن الكريم لا يريد مؤمنًا متفرجًا، بل يريده ناصرًا ومعينًا، ناصرًا ينصر المشروع ولا ينصر الشخص، وعاملًا يعمل للرسالة ولا يعمل للمُرسَل، ولهذا قال النبي عيسى (ع): ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾. ولم يقل: كونوا أنصاري، فالنبي لا يريد أن يصنع أتباعًا لشخصه، وإنما يريد أن يصنع أنصارًا لله، والمصلح الحقيقي لا يجعل الناس يدورون حول ذاته، بل يجعلهم يدورون حول المبدأ الذي يحمله.
وهذه قاعدة مهمة جدًا في العمل الديني والإصلاحي: كلما ارتبط الناس بشخص القائد أكثر من ارتباطهم بالحق الذي يمثله، أصبح المشروع معرضًا للخطر، لأن غياب الشخص قد يعني غياب المشروع. أما إذا ارتبطوا بالله، وبالرسالة، وبالقيم، وبالحق، فإن الأشخاص يصبحون وسائل لحمل الرسالة، ومن هنا نفهم عظمة جواب الحواريين: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾. فلم يقولوا: نحن أنصار عيس (ع). بل أعلنوا هويتهم الرسالية: نحن أنصار الله.
وأن يكون المؤمن من أنصار الله يعني أن يكون جاهزًا ليتحمَّل كلفة وأعباء هذه النُصرة، فكما أن الحواريين ناصروا نبي الله عيسى بن مريم في زمن العُسرة، والمواجهة مع الظالمين كذلك على المؤمن أن يكون، فالنصرة الحقيقية لا تكون عندما تكون الظروف سهلة بل عندما تكون الظروف صعبة، والمواجهة مع الظالمين قاسية. وهنا يظهر الفرق بين المؤمن بالدين وأنصار الدين. فالمؤمن يقول:
أنا مع الحق، أما أنصاره فيحملون الحق ويجهرون به ويبذلون ما يمكنهم في سبيله.
ختامًا أقول: النصرة ليست اندفاعًا عاطفيًا، بل مسؤولية واعية، والنصر لا يأتي إلا إذا توفَّر للقائد أنصار، وحرِيٌ بنا جميعًا اليوم أن نسأل أنفسنا: هل نحن أنصار الله؟