ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة...

مَنْ نَالَ اسْتَطَالَ

22:10 - November 23, 2025
رمز الخبر: 3502545
بيروت ـ إکنا: قد حكم الله على الإنسان بقوله: "كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ..." باعتبار الأعمّ الأغلب من أفراده؛ وإلا فإن الغنى والقوّة في أيدي الأتقياء من وسائل الخير، وأفضلُ أسباب السعادة الدنيوية والأخروية، لأنّهم يستعملونهما فيما يرضي ربَّهم، ويعود عليهم بالنفع في دينهم ودنياهم.

رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ نَالَ اسْتَطَالَ".
 
جوهرةٌ كريمة، على الرغم من وجازتها، فإنها تكشف عن معادلةٍ مهمّةٍ تشهد لها التجربة الإنسانية، تقوم على الربط بين الغنى والثراء والقوّة والقدرة، وبين الاستطالة والاستكبار والطغيان على الآخرين. وقد أكّد الله تعالى ذلك في كتابه الكريم بقوله: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ ﴿5﴾ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ ﴿العلق: 6﴾.
 
هذه طبيعةُ الأعمّ الأغلب من أفراد البشر؛ إذ حين يرون أنفسهم مستغنين غير محتاجين يعمدون إلى الطغيان، ولا يراعون حقًّا ولا عدلًا، وإنّ ذلك لَمِن دواعي العجب.

إقرأ أيضاً:


فهذا الإنسانُ متى أحسّ ببوادر القدرة والقوّة والنفوذ والغنى، بادر إلى الطغيان والاستطالة على الناس، يتطاول عليهم بالأذى، ويعدّ نفسه فوقهم جميعًا، وينسى أنّه في حقيقة الأمر أعجزُ من أن يملك ثراءه وغناه، بل أعجزُ من أن يُمسك بحياته ويدفع عن نفسه الموت.

فالذي أعطاه فأغناه هو الله، وهو الذي خلقه وأكرمه وعلّمه. ولكنّ الإنسان في عمومه ـ لا يُستثنى إلا من يعصمه إيمانه ـ لا يشكر حين يُعطى فيستغني، ولا يعرف مصدر النعمة التي أغنته، وهو المصدر الذي أعطاه خلقه، وأعطاه علمه، ثم أعطاه رزقه.

ثم هو يطغى ويفجر، ويبغي ويتكبر، حيث كان ينبغي أن يعرف ثم يشكر. وقد كان من حقّه أن يكون وإيّاهم أعضاءَ أسرةٍ واحدةٍ يتعاونون في السرّاء والضرّاء، ويحبّ الخير لهم كما يحبّه لنفسه.
 
وقد حكم الله على الإنسان بقوله: "كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ..." باعتبار الأعمّ الأغلب من أفراده؛ وإلا فإن الغنى والقوّة في أيدي الأتقياء من وسائل الخير، وأفضلُ أسباب السعادة الدنيوية والأخروية، لأنّهم يستعملونهما فيما يرضي ربَّهم، ويعود عليهم بالنفع في دينهم ودنياهم.
 
إذن، غالبًا ما يتسبّب الشعورُ بالقوّة والقدرة والنفوذ والغنى بالطغيان، على الرغم من أنّ النِّعمة خيرٌ في ذاتها، والغنى خير، والثراء خير، والنفوذ خير؛ إذ المؤمن القويّ خيرٌ من المؤمن الضعيف.

ولكنّ الإمام (ع) في قوله: "مَنْ نَالَ اسْتَطَالَ" يصرخ فينا محذِّرًا من التعامل بخفّةٍ وقِلّةِ وعيٍ مع النعمة والثراء، يدعونا إلى الحذر من أن يكون الغنى فخًّا وسببًا للطغيان والاستطالة على الناس، فيتحوّل الغنى من نعمةٍ إلى نقمة.
 
وقد ذكر القرآن الكريم نموذجًا لهؤلاء الذين يُطغيهم الغنى، ويؤدّي بهم إلى الاستطالة على الناس، وهو نموذجُ صاحبِ الجنتين الذي قصَّ الله علينا قصّته في قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿32﴾ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴿33﴾ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴿34﴾ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا ﴿35﴾ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿36﴾ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴿37﴾ لَٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿الكهف: 38﴾.
 
صاحبُ الجنتين هذا، تمتلئ نفسه بِنِعَمِه، ويُزْهِيه النظرُ إليها، فيحسّ بالزهو، ويتعالى على صاحبه الفقير، ويفتك به الغرور، ويُخَيَّل إليه أنّه حقيقٌ بالنعمة والغنى والثراء في الدنيا والآخرة، فيستطيل على سواه من الناس. أمّا صاحبه الفقير، الذي لا مال له ولا نفر، ولا جنة عنده ولا ثمر، فإنّه معتزٌّ بما هو أبقى وأعلى: معتزٌّ بعقيدته وإيمانه. فهو يُجابه صاحبه المغرور المستكبر منكرًا عليه بطره وكبره، يذكّره بمنشئه المهين من ماءٍ وطين، ويُوجّهه إلى الأدب الواجب في حقّ المُنعِم، وينذره عاقبةَ البطر والكبر. 

بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي
captcha