بقلم الکاتب والمحلل السیاسي اللبناني الدكتور ناجي علي أمهز
البداية: هي أن الحرب أساساً لم يعد لها معنى سياسي أو إستراتيجي، مع هذا الخلل الواضح بموازين القوة.
بالمقابل يبرز تساؤل جوهري حول جدوى إصرار الإعلام المقاوم على نشر صور الشهداء وخلفها شعار الحزب؛ يا سادة، إن قيادة المقاومة تعلم يقيناً إنتماء الشهيد، وكذلك أهله، وحتى العدو الذي نفذ عملية الاغتيال يعلم هوية هدفه جيداً. لذا، فإن المصلحة الاستراتيجية تقتضي ألا نضع الرأي العام اللبناني والعالمي أمام مادة إعلامية تُسقط الحرج عن القاتل وتمنحه تبريراً أخلاقياً لجريمته.
إن تصدير "الهوية الحزبية" كعنوان أول للشهيد يفتح الباب أمام تساؤلات خبيثة تُخفف من وطأة رد الفعل على العدوان، من قبيل: (لماذا أرسل الحزب شبابه إلى مناطق الاستهداف؟). بينما الحقيقة والمصلحة تفرضان أن يظهر الشهيد بصفته الطبيعية؛ فهو أولاً وأخيراً "مواطن لبناني" استباح العدو دمه على أرضه.
لماذا لا نُعرّف الشهيد بمهنته التي كان يمارسها وسط مجتمعه؟ فليُكتب تحت صورته: (عامل، مزارع، طبيب، مهندس، طالب، أو معلم)، دون ألقاب عسكرية أو أسماء جهادية. هذا التوصيف الإنساني والمدني كفيل وحده بحشد تضامن وطني ودولي واسع، وتجريد العدو من ذريعة "إستهداف المقاتلين"، فضلاً عن كونه يوفر للمقاومة درعاً قانونياً وسياسياً أمام المحافل الدولية، ويُظهر بشاعة العدوان كجريمة ضد الإنسان اللبناني، لا كاشتباك مع فصيل مسلح."
إقرأ أيضاً:
من أجل كرامة الشهداء، ومن أجل مستقبل الطائفة ودورها، كفانا تمسكاً بقوالب قديمة؛ نحن اليوم في زمن مختلف كلياً يتطلب وعياً استثنائياً يتجاوز الشعارات البصرية، ليركز على حماية الوجود وصون دماء الأبرياء. وعوائلهم، ثم اين الذين كلفوا الطائفة والمحور ملايين الدولارات وعملهم هو صناعة الرأي العام لماذا لا يقترحون ما اقترحه الان، بما يتلهون اين هم بماذا يستثمرون وقتهم وعلى ماذا ينفقون أموالهم.
أعود لأبدأ من حيث انتهت المشاهد الدامية في قطاع غزة؛ لقد خلّف "طوفان الأقصى" قرابة 300 ألف بين شهيد وجريح، ودماراً شاملاً حوّل القطاع إلى أثر بعد عين، مخلّفاً نكبة نفسية واقتصادية ووجودية لا يمكن ترميمها بسهولة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: لو أن حماس اختارت طريق "الانتفاضة الشعبية" الشاملة، هل كان الكيان الصهيوني ليتجرأ على حصد هذه الأرواح وتدمير الأرض؟
بالطبع لا، فالعالم كان سيتحرك مع أول بضعة آلاف من الشهداء، ولانقلبت الموازين الدولية ضد إسرائيل. لكن الكيان يمارس القتل والدمار تحت غطاء "الحرب"، مستخدماً "التهديدات" المسجلة ضده كذريعة تسويقية أمام المجتمع الدولي لتبرير عدوانه. واليوم، ومع حديث ترامب عن الانتقال إلى الجزء الثاني من اتفاق غزة، تحاول إسرائيل إبقاء شبح "مقاتلي حماس" حاضراً لتُبقي باب القتال الحربي مفتوحاً، كونه أقل كلفة عليها من مواجهة ثورة شعبية غزاوية أو انتفاضة جديدة في الضفة الغربية، التي تُشكل الأولوية الوجودية للكيان أكثر من الجبهة اللبنانية.
اليوم يدرك الجميع، بما في ذلك القوى العظمى، أن المقاومة اللبنانية لم تعد تُشكّل "مفاجأة عسكرية"، خاصة تبين بان إسرائيل باتت تمتلك بنك معلومات واسعاً. لذا، فإن أي عملية عسكرية إسرائيلية واسعة لا تحمل أي وزناً استراتيجياً، بسبب الخلل الواضح بموازين القوة.
والمتغير الحقيقي يكمن في الموقف الرسمي اللبناني؛ فحين تعلن الحكومة اللبنانية تنفيذ سحب السلاح جنوب الليطاني، والتزام حزب الله اللبناني بذلك، يتحول كل اعتداء إسرائيلي من "ضربة لحزب الله" إلى "اعتداء صارخ على السيادة اللبنانية" وأركان الدولة الرسمية. هنا، ستجد إسرائيل نفسها أمام حرج دولي كبير وقواعد اشتباك قانونية لا تستطيع القفز فوقها.
لذلك تسعى إسرائيل من خلال تأزيم المرحلة لمنع أو تأخير اعلان الحكومة اللبنانية قيامها بما تعهدت فيه وان حزب الله اللبناني التزم، كما انها تضغط على الحزب والبيئة، للانجرار الى مواجهة تعيد خلط الاوراق لصالح اسرائيل.
خاصة بعد نجاح الشيخ نعيم قاسم، بصفته قائداً للمرحلة، في سحب أخطر ذريعتين من يد الكيان الإسرائيلي:
الذريعة الأولى (عسكرية): التأكيد على أن المقاومة تقف خلف الدولة المسؤولة أولاً وأخيراً عن الدفاع عن سيادتها وشعبها. هذا يعني عملياً البدء بتطبيق "الاستراتيجية الدفاعية" التي تخضع للسلطة التنفيذية. ومن يضع مهمة الدفاع في يد الدولة، فإنه يقول ضمناً: "لم تعد مهمتي تحرير فلسطين أو الدفاع عن قضايا كبرى تنازل عنها أهلها، بل أنا مواطن لبناني تحت سقف السيادة الوطنية".
الذريعة الثانية (إعلامية): تشكيل "لجنة الإعلام" التي تعني عملياً الانسحاب من "إعلام المحور" الذي ثبُت أنه يعرقل المسيرة السياسية للثنائي، ويضع الطائفة الشيعية في مآزق حرجة. هذا الانسحاب يجرّد إسرائيل من "المادة الدسمة" التي كانت تقتنصها من تصريحات محللين متهورين لتبرير قصف المدن وقتل الأبرياء. واليوم، حين خفتت وتيرة التصريحات الحربية في إعلام المقاومة، ارتفعت في المقابل وتيرة التهديدات في الإعلام الإسرائيلي، في محاولة يائسة للاستمرار في الضغط السياسي على لبنان والبيئة الحاضنة.
أما الخوف من الاعتراف بالهزيمة، فأن الهزيمة قانون كوني؛ لقد سقطت إمبراطوريات عظمى، وتفككت السلطنة العثمانية والاتحاد السوفييتي، وهُزمت ألمانيا واليابان وتغير وجه العالم. الهزائم تحدث إما بقوة السلاح أو بالترهل عبر الزمن، لكن "الانكسار" قرار داخلي مرفوض.
يكفي الطائفة الشيعية أنها لم تعلن "الانكسار" مهما تعاظمت الأزمات. وعلينا الحفاظ على بقائنا، وتطوير وجودنا، والمكتسبات السياسية والدور الوطني. وما عدا ذلك هو "سفسطة إعلامية". فلا علاقة لنا في شؤون الآخرين ـ من مادورو في فنزويلا إلى زعيم كوريا الشمالية ـ هذا انتحار سياسي وضياع للوقت في لحظة نحن فيها أحوج ما نكون لترميم بيتنا الداخلي.
ختاماً..
إن وحدة الطائفة اليوم وتماسكها هما الدرع الأخير لها. من يملك ثمن رغيف خبز، عليه أن يتقاسمه مع أخيه وجاره، لأن السقوط الجماعي لن يرحم أحداً، ولن يشفع لأحد "انبطاحه" أمام القوي. المطلوب اليوم توازن شديد، واحتكام للعقل والمنطق المطلق، والحفاظ على "الوعي الجمعي"؛ فهو النور الوحيد الذي سيخرجنا من هذا النفق المظلم إلى بر الأمان الوجودي، وحتما سنعود للنهوض من جديد ان شاء الله تعالى.