ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة...

مَنْ خَلُصَتْ مَودَّتُهُ احْتُمِلَتْ دالّتُهُ

22:10 - January 24, 2026
رمز الخبر: 3503294

بقلم الباحث اللبناني في الدراسات الدينية "السيد بلال الوهبي"
 
رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ خَلُصَتْ مَودَّتُهُ احْتُمِلَتْ دالّتُهُ".

نعم، إنّ مَن نُحِبُّه بصدق نحسِنُ الظنَّ به، ونلتمس له العذر، ونغضُّ الطرف عن هفواته وزلاته، بل نقبل جرأته علينا، وهذه هي الحقيقة التي يقرِّرها الإمام أمير المؤمنين (ع)، والتي تشهد لها تجربة كل واحد منا مع من يحب، فإننا نحتمل منه الكثير، وقد نستلطف ما يفعل، أما ذاك الذي لا نُحبه فإننا نعامله بقسوة، ونستثقله، ونبادر إلى اتهامه وإساءة الظن به، وقد يكون محقًا وصادقًا.

تتضح لنا الحقيقة المتقدمة حين نعرف معنى كلمة (دالّته) فقد ذكرت معاجم اللغة العربية أنها الجرأة على الشيء، والتبسُّط فيه، والاعتماد على المنزلة. يُقال: فلانٌ له دالَّةٌ على فلان، أي له منزلةٌ ومحبةٌ تجعله يتجرأ عليه في القول أو الفعل.
 
جميع المعاجم اللغوية ذكرت هذا المعنى، وخلاصته: أن الدَّالَّة هي الانبساط الخارج عن حدود التحفُّظ، والجرأة الزائدة التي قد تصل إلى حدِّ الزَّلَّة اللفظية أو السلوكية، وكل ذلك بدافع الأُنس والمحبّة، لا بدافع الاستخفاف أو الإساءة.
 
ويمكننا القول: إن هذه الدالَّة تمنح الشخص المحبوب تأثيرًا معنويًا على مشيئة الطرف الآخر، أو كما يُقال في العامية اللبنانية (تعطيه مَوْنَة) يقال: فلان يمون على فلان. فهي إذا جرأة المتحبِّب، وانبساط القريب، وتجاوز المؤانِس، اعتمادًا على المودّة والمكانة.
 
وعليه: فحين يقول الإمام أمير المؤمنين (ع): "مَنْ خَلُصَتْ مَودَّتُهُ احْتُمِلَتْ دالّتُهُ" فالمعنى: أن من كان محبوبًا لشخص فإن هذا الشخص يتحمَّل زلّاته، ويتغاضى عن جُرأته، ويعذره في تجاوزاته، لما له عنده من مودة ومقام، لأنه يتلقى تلك (الدالَّة) أي الجُرأة والتجاوزات كزَلَّة من مُحب، ولِما لصاحب الدالَّة من مودة للطرف الثاني. 
 
إن المودة الصادقة، وهي المحبة التي لا تشوبها مصلحة، ولا تبنى على أساس نفعي، ولا تخضع لتقلبات مزاج الشخص، هذه المودة إذا استقرّت في القلب، فإنها تصنع سعةً في صدر المحب، يتجاوز معها عن الأخطاء والهفوات، ويتعامل مع تجاوزات محبوبه بلطف وغضِّ طرف. 
 
فالإمام أمير المؤمنين (ع) يقرِّر حقيقة دقيقة مفادها: أن من كانت مودّته صادقة، فإن زلّته لا تُفهم على أسوأ محاملها، بل تُحمَل على حُسْنِ النِّيَّة، فلا يبادر من تلقى الإساءة إلى الرد معتبرًا أنه يدافع عن كرامته، ولا يُطلِق لسانه باللوم عليه، بل يُحسِن الظنَّ به، ويبحث له عن العذر.
 
ومنشأ ذلك أن الإنسان لا يحكم على الأفعال مجرّدة، بل يحكم عليها من خلال صورة الفاعل في قلبه وموقفه منه، فالكلمة نفسها، إن صدرت من شخص نحبه، نتلقاها بإيجابية، فلا تستفزّنا، أو لا تحملنا على الرد عليه بالمثل والتعبير له عن انزعاجنا، وإن صدرت من شخص لا نثق به، شعرنا فيها بالاستفزاز، وقد تدعونا إلى دفعها بأسوأ منها، ولهذا: فالكلمة القاسية ممن نحبه تُغفَر سريعًا، وزلة صغيرة ممن نكرهه ونحقد عليه تُضَخَّم، ويُساء الظن بها، وتُحمَل على أسوأ المحامل.
 
بالطبع ينبغي التنبيه، إلى أن المودة لا تسقط المسؤولية، ولا تُبرر الخطأ والزلَّة والإساءة، جل ما في الأمر أن التعامل مع ذلك يختلف، فتارة نعالج الإساءة بقسوة، ونرد عليها بقوة، ونسيء الظن بالشخص، وهذا يعني عدم احتمال دالَّته، وأخرى نعالج الأمر بسهولة، وننبه إلى الخطأ بأسلوب حسن، ونساعد المسيء على تجنّب الإساءة مرة أخرى، مع إحسان الظن به.
 
وأمر أخير نستنبطه من قول الإمام (ع): "مَنْ خَلُصَتْ مَودَّتُهُ احْتُمِلَتْ دالّتُهُ" أننا إذا أردنا أن تُحتَمل زلاتنا، ويكون لنا دالَّة و "مَوْنَةٌ" على الآخرين فالطريق إلى ذلك أن نصدق معهم، ونعاملهم باحترام وتقدير، ونبادلهم المودة كي نفوز بها منهم.
captcha