ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة...

مَنْ جارَتْ أَقْضيَتُهُ زالَتْ قُدْرَتُهُ

23:08 - January 18, 2026
رمز الخبر: 3503229

مَنْ جارَتْ أَقْضيَتُهُ زالَتْ قُدْرَتُهُبقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي

ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ جارَتْ أَقْضيَـتُهُ زالَتْ قُدْرَتُهُ".

هذه حتمية تقوم على الربط بين الجور والظلم في القضاء، وزوال القدرة، وذهاب السلطة، وسقوط الدولة.

وهي سُنَّة عامة، شاملة، مُطَّرِدة، لا تختص بزمن دون زمن، ولا بشخص دون شخص، ولا بدولة دون دولة، كلُّ سلطةٍ يكون الجور صفةً لأحكامها، قدرتها إلى زوال. فوجود الجور يؤدي حتمًا إلى زوال القدرة والسلطة، مما يعني أن العدل شرط لازم لبقاء القدرة، كما أن الجور شرط كافٍ لزوالها، والقدرة التي لا يحرسها العدل، تحمل في ذاتها أسباب فنائها.

الجَورُ قارئي الكريم هو المَيل عن القصد، والعدول عن الطريق المستقيم بعد معرفته، والظلم، وقيل: الجور على ضربين: مَيلٌ عن الحق عمدًا، ومَيلٌ عنه خطأً. وإذا أُطلق في باب الأحكام والقضاء، فإن المقصود به غالبًا: المَيل عن الحق مع العلم به.


إقرأ أيضاً:


ولخَّص بعضهم معنى الجَور في ثلاث طبقات متراكبة:

أصل لغوي: وهو الميل والانحراف عن الاستقامة.

ومعنى أخلاقي: وهو الظلم الناتج عن هذا المَيل.

ومعنى قضائي: وهو الحكم بغير الحق مع قيام الحجة ووضوح الصواب، ولهذا كان الجور أخطر من الظلم المجرَّد، لأنه ظلمٌ صادر عن موقع يفترض أن يحكم بالعدل، ويحفظ الحق، وهو انحرافٌ ممن يُنتظر منه أن يكون مستقيمًا، وهو انحراف عن منطق العقل والفطرة الصافية، وفيه إعدام للثقة التي تعتبر واحدة من أهم ركائز القدرة والاستقرار، فإذا انعدمت يبدأ الضعف يسري في كيان الدولة أو السلطة، وهكذا إلى أن تزول وتضمحل.

ومن هنا تتضح دقة الحتمية أو السُّنَّة التي يحملها قول الإمام (ع): "مَنْ جارَتْ أَقْضيَـتُهُ زالَتْ قُدْرَتُهُ" والتجربة الإنسانية شاهد صادق على ذلك، فما من مجتمع أو دولة انحسر فيها العدل والقسط، وشاع فيها الجور والظلم إلا وتهاوت كما تتهاوى الأبنية المتهالكة، ولم تنفع معها كل العلاجات والإجراءات لأنها غالبا ما تأتي بعد فوات الأوان، وجريان السُّنَّة الربانية، وما ينطبق على الدول، ينطبق على الجماعات، والكيانات، والمؤسسات والأفراد. كما سبق أن ذكرنا.

ولقد نبَّه القرآن الكريم إلى هذه السُّنَّة في طائفة من آياته الكريمة، فأكَّد أن الاستقرار ورغد العيش، ووفرة النعم، وانبساط الأمن والأمان رهن بإقامة العدل والقسط، وأن الظلم والجور هما سبب الدمار والزوال، قال الله تعالى: وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ﴿الكهف: 59﴾.

وقال تعالى: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿العنكبوت: 40﴾.

من هنا ينبغي على كل منا أن يحرص أن تكون أحكامه قائمة على العدل والقسط مراعية الحق، متوخِّية إظهاره وإزهاق الباطل، متجاوزة الاعتبارات الأسرية والعائلية والمناطقية والدينية والقومية، وسوى ذلك من الروابط التي تمنع الضَّعيف من أن يحكم بالعدل. 

captcha