ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة...

مَنْ رَضِيَ بِالْقَضاءِ طابَ عَيْشُهُ

22:55 - January 26, 2026
رمز الخبر: 3503321

بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي

وروِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ رَضِيَ بِالْقَضاءِ طابَ عَيْشُهُ".
 
ما أحوجنا إلى هذه المعادلة التي يقرِّرها الإمام أمير المؤمنين (ع)، ونحن في زمن كثرت فيه الأحداث، وتعاظمت الأزمات، وتعددت فيه المصائب والخسارات، وبات المَرء منا نَهبًا لأزمات تزداد حِدَّة، الأمر الذي يجعل هذه المعادلة وصفة سحرية لطيب العيش واستقامة الحياة رغم ما يُلِمُّ بنا.

المعادلة تقول: الرّضا بالقضاء يولِّد الطمأنينة في النفس، ومفهومها يدل على أن الاعتراض على قضاء الله تعالى يولِّد الضَّنك، والقلق، والشقاء.
 
القضاء هو إحكام الله تعالى للأشياء وإبرامها وفق علمه وحكمته، والقوانين التي وضعها للوجود، والقضاء كما يقول السيد محمد باقر الصدر (قُدِّس سِرُّه) نظام سُنَني وليس أحداثًا عبثية، وأنَّ اعتراض الإنسان عليه هو في الحقيقة اعتراض على حكمة لا يحيط بها، وهذا الفهم يختلف عن الفهم الجبري الساذج، فالقضاء لا يمنع الاختيار، بل هو إطار عام تتحرك داخله أفعال الإنسان بحرية ومسؤولية. 
 
والرضا بالقضاء يعني: أن يطمئن الإنسان إلى أن ما وقع لم يقع عبثاً، وأن الله لم يقدّر إلا ما هو خير له، وإن جهل موضع الخير فيه، فالرضا بالقضاء حال يعيشه الإنسان، وموقف واعٍ يواجه به ما يجري عليه، واتساق مع قوانين الوجود، وليس استسلامًا من عاجز وحسب، فحين تصيبه مصيبة، كأن يموت له قريب، يرضى بذلك، لأنه يعلم أن مصير الإنسان إلى الموت، وأن الموت ينقله إلى نشأة أسمى، فيثبت أمام الشعور القاسي للفَقْد والشعور بالخسارة، ولا ينهار، وإن كان يحزن لفراق أحبَّته ولكنه لا يجزع، أي لا يُعَظِّم ما أصابه، ولا يسخَط على الله تعالى، وحين يفشل في تحقيق أمرٍ من أموره لا ييأس، ولا يقعد عن المحاولة من جديد، بل يراجع أسباب فشله، ويدرس نقاط قوته، وهو لم يزل سائرًا إلى غايته.
 
لقد ذكر الله لنا في كتابه الكريم موقف المؤمن مما يصيبه وما يقضي الله له فقال: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (البقرة:157)
 
ومن أبلغ وأعمق الرضا بالقضاء، ما نراه في موقف الإمام الحسين (ع) ففي اللحظات الأخيرة من حياته وقد صُرِع على الأرض، مضرَّجًا بدمائه الزكية، توجَّه إلى الله تعالى داعيًا قائلاً: "صَبْراً عَلى قَضائِكَ يا رَبِّ! لا إِلهَ سِواكَ، يا غِياثَ الْمُسْتَغيثينَ، ما لي رَبٌّ سِواكَ، وَلا مَعْبُودٌ غَيْرُكَ، صَبْراً عَلى حُكْمِكَ يا غِياثَ مَنْ لا غِياثَ لَهُ، يا دائِماً لا نَفادَ لَهُ..."
 
واليوم في هذه المرحلة التي نعبرها رأينا مشاهد عظيمة ومُلهِمة للرضا بقضاء الله تعالى، من آباء وأمهات قدَّموا فلذات أكبادهم، قرابين لله تعالى، قدَّموا اثنين وثلاثة وأربعة من أبنائهم، راضين بقضاء الله تعالى، وأزواج وأبناء فقدوا أحبتهم، فما رأينا منهم إلا التسليم والرضا، رغم الآلام الهائلة للفقد والشعور بالوحدة. 
 
ومِمّا لا شك فيه أن هذا الرِّضا الواعي لا يكون من عاجز لا حول له ولا قوة، ولا من متصنِّع أمام الناس ووسائل الإعلام، بل ينشأ من جذور معرفية مهمة، أهمها اليقين بعدل الله ورحمته، وحكمته، وأن من فقدوه قد انتهى أجله وأنه قادم على رب رحيم كريم، وأن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وليست دارَ جزاء، وأنها مَمَرٌ لا مقر، وأن مصير الإنسان إلى الموت، فإما أن يموت هو أو يموت أحبته. كما ينشأ من التمييز بين ما بأيدينا وما ليس بأيدينا، فما كان في أيدينا يمكننا دفعه وتجنُّبه، وما ليس في أيدينا فعلينا أن نتقبّله ونرضى به.
 
إن الرضا الواعي لقضاء الله يفيض على الإنسان طمأنينة وأمانًا، وهُما أعلى رغباته، ويقضي على قلقه، ويجعله متوازنًا في انفعالاته، قويا في مواجهة الأزمات والمصائب، قادرا على اتخاذ القرارات الصعبة، لأنه حين الأزمة لا يسأل نفسه لماذا أنا من بين الناس، بل: ما الذي يجب أن أفعله حاضرًا ومستقبلًا.
captcha