ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة....

مَنْ تَحَلّى بِالْحِلْمِ سَكَنَ طَيْشُهُ

23:35 - January 27, 2026
رمز الخبر: 3503338

بقلم الباحث اللبناني في الدراسات الدينية السيد بلال وهبي

ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ تَحَلّى بِالْحِلْمِ سَكَنَ طَيْشُهُ".
 
في هذه الجوهرة الكريمة يقرِّر الإمام أمير المؤمنين (ع) معادلة مهمة، يحتاج إليها كل شخص يحرص على اتزانه واستقامته ووقاره، وما يحفظ له مكانته الاجتماعية، هي معادلة تربط بين التحلِّي بالحِلم وما يثمر عنه من هدوء انفعالاته، وقدرته على التحكّم فيها، وانتقاله من رد الفعل إلى الفعل الأخلاقي الواعي. 

الحِلمُ هو: الأناة، وضبط النفس، والتثبّت، وترك العجلة، وهو ضِدّ السَّفَه والطَّيش. 
 
وعرَّفه الراغب الأصفهاني في معجم مفردات ألفاظ القرآن بأنه: ضبط النفس عن هيجان الغضب، ويُقال ذلك لمن له قدرةٌ على الانتقام ثم لا يُعاجِل به. ثم أضاف تمييزًا بالغ الأهمية فقال: الحِلم أخصّ من الصبر، لأن الصبر يكون عن ضعف، والحِلم لا يكون إلا عن قدرة. 
 
والحلم من أعلى الصفات وأعظم المكارم والكمالات، وهو من صفات الله تعالى، فهو الحليم ذو الأناة، والغفور الحليم، وصفات أنبيائه وأوليائه، وقد وصفه الإمام (ع) بالحِلْيَة، وهي الزينة التي يتزين بها الإنسان، فتكسوه رصانةً ومهابةً وجلالًا ووقارًا، وذلك يدل على أنه (الحلم) صفة يكتسبها الإنسان بالتزكية لنفسه وتهذيبها، فالإنسان لا يولد حليماً بالضرورة، نعم يولد وفي تكوينه النفسي الاستعداد والقابلية لذلك، ثم يتحلَّى به وبغيره من المكارم بمجاهدة نفسه وتهذيبها، مستعينًا على ذلك بمعرفته فضل الحلم، ومعرفته عواقب السَّفه والطَّيش الخطيرة، ولذلك جاء في الحديث عن رسول الله (ص): أن الحِلْمَ بالتَّحلُّم.
 
ومما لا شَكَّ فيه أن كل واحد من بني البشر قادر أن يصير حليمًا، ولولا ذلك لما حَثَّنا الله على الحِلْمِ والتحلُّم، والطريق إلى اكتساب هذه الفضيلة هو المعرفة، معرفة أهمية الحلم كفضيلة من الفضائل الأخلاقية الكبرى، ومعرفة مخاطر وعواقب الانفعال والتسرُّع، وإدراك المرء أن الغضب حالة تعرض عليه، فلا يجوز أن يستقرَّ فيه، فكما يأتي سريعًا يجب أن ينتهي سريعًا، وأن يبقى المُصاب به قادرًا على السيطرة عليه، أضف إلى أهمية أن يفكر في مساوئ الطيش ويتدبَّر في عواقبه، أضف إلى تدرُّبه على الحلم في المواقف الصعبة التي تُثير انفعالاته.
 
وللحلم آثار عظيمة على شخصية الإنسان وعلى علاقاته بالآخرين، ومن أهم تلك الآثار امتلاك الإنسان زمام نفسه، فيصبح هو الذي يتحكَّم بها بدل أن تتحكم به، ويصير قادرًا على الإمساك بانفعالاته ومشاعره، مما يزيده وعيًا، وبصيرةً، وحِكمةً، ويساعده بلا شَكٍ على اتخاذ قراراته بوعي وحِكمة، وهذا يجعله أكثر احترامًا لنفسه وتقديرًا لها.
 
ولما كان مَنْ كَرُمَت عليه نفسه لا يُهينها بالسفاهة والأعمال والمواقف والأحوال الطائشة، فإن ذلك يدعوه بلا ريب إلى التخفيف من نزاعاته مع الآخرين، ومَدِّ الجسور معهم، وبناء شبكة قوية من العلاقات الاجتماعية، مما يجعله شخصًا يُشيع الأمان في مجتمعه، ويدعو إلى الخير، وينهى عن المنكر، ناهيك عن أن الحليم يُربِك خصومه الذي ينتظرون أن تكون منه هفوة، أو تسرُّع، أو فعل طائش، لينالوا منه وينقضوا عليه وعلى سُمعته.
 
إن الذي يحلم يسكن طيشه، كما قال الإمام (ع)، والطيش هو خفّة العقل عند هيجان العاطفة، وسلوك دون تقدير للعواقب، وهو حالة فوضى نفسية غالبًا ما تؤدي إلى نتائج قاسية، وبعضها قد يكون مدمرًا، فالطيش طاقة منفلتة، والحِلم طاقة هادفة واعية، والطيش سرعة في رَدِّ الفعل، والحلم أناة وتدبُّر، وفعل عاقل منضبط، والطيش يقمع العقل ويُقصيه، والحلم يعطيه الإمرة والقيادة. 
captcha