
بقلم الأكاديمي والباحث الإيراني "د. بهمن أكبري"
عِيدُ الْأَضْحَى لَيْسَ مُجَرَّدَ تَذْكَارٍ لِوَاقِعَةٍ تَارِيخِيَّةٍ، وَلَا تَكْرَارٍ لِمَنَاسِكٍ شَعَائِرِيَّةٍ، بَلْ هُوَ مِيعَادٌ خَالِدٌ لِإِعَادَةِ النَّظَرِ فِي عِلَاقَةِ الْإِنْسَانِ بِرَبِّهِ وَنَفْسِهِ وَمُجْتَمَعِهِ. إِنَّهُ تَجَلِّي الْعُبُورِ مِنَ «الْأَنَا» وَالرِّحْلَةُ مِنْ ضِيقِ الشَّهَوَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ إِلَى أُفُقِ التَّوْحِيدِ وَالْحَقِيقَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79].
فِي أَعْظَمِ الِابْتِلَاءَاتِ الإِلَهِيَّةِ، تَجَاوَزَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَاتَهُ، وَاسْتَسْلَمَ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَلْبٍ وَاعٍ وَنَفْسٍ مُطْمَئِنَّةٍ، مُنْطَلِقًا بِنِدَاءِ الْإِيمَانِ: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: 102].
فَجَاءَ النِّدَاءُ الرَّبَّانِيُّ: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: 104-105].
الرِّسَالَةُ الْخَالِدَةُ لِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ: أَنَّ الْإِيمَانَ الصَّادِقَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِتَجَاوُزِ الْأَنَانِيَّاتِ وَالتَّعَصُّبَاتِ وَالْمَصَالِحِ الضَّيِّقَةِ، فَرْدِيَّةً كَانَتْ أَمْ جَمَاعِيَّةً. فَالْأُضْحِيَةُ، قَبْلَ أَنْ تَكُونَ «ذَبْحَ حَيَوَانٍ»، هِيَ «ذَبْحُ النَّفْسِ» وَالتَّحَرُّرُ مِنْ سَيْطَرَةِ الْأَنَا.
الْيَوْمَ، يَحْتَاجُ الْعَالَمُ الْإِسْلَامِيُّ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ زَمَنٍ مَضَى إِلَى فَهْمٍ أَخْلَاقِيٍّ وَحَضَارِيٍّ وَإِنْسَانِيٍّ لِمَفْهُومِ «الْأُضْحِيَةِ». وَأَعْظَمُ الْخَطَرِ حِينَ يَتَحَوَّلُ الدِّينُ إِلَى أَدَاةٍ لِإِزَالَةِ الْآخَرِ، وَبَثِّ الْكَرَاهِيَةِ، وَعُنْفٍ يُكْسَى بِحُلَّةِ الْقُدْسِيَّةِ، وَالتَّفَوُّقِ الْمُزْعَمِ، بَدَلَ أَنْ يَقُودَ الْإِنْسَانَ إِلَى الرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ وَالتَّوَاضُعِ وَالْكَرَامَةِ، كَمَا قَالَ نَبِيُّنَا(ص): «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ». فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، لَا تَكُونُ الضَّحِيَّةُ هِيَ «النَّفْسَ الْأَمَّارَةَ»، بَلْ حَقِيقَةُ الدِّينِ وَجَوْهَرُ الْأَخْلَاقِ.
يُعَلِّمُنَا عِيدُ الْأَضْحَى أَنَّ أَصْنَامَ كُلِّ عَصْرٍ لَيْسَتْ حَجَرًا وَخَشَبًا فَقَطْ، بَلْ إِنَّ الْغُرُورَ وَالتَّعَصُّبَ الْأَعْمَى وَعِبَادَةَ السُّلْطَةِ وَالْجُمُودَ الْفِكْرِيَّ وَتَقْدِيسَ الْأَخْطَاءِ هِيَ أَيْضًا أَشْكَالٌ حَدِيثَةٌ لِلشِّرْكِ. وَفِي كَلِمَةٍ عَمِيقَةٍ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعِ».
مُجْتَمَعٌ يُضَحِّي بِالنَّقْدِ الذَّاتِيِّ لِأَجْلِ التَّعَصُّبِ، وَيَذْبَحُ الْأَخْلَاقَ عَلَى مَذْبَحِ التَّنَافُسَاتِ السِّيَاسِيَّةِ أَوِ الْمَذْهَبِيَّةِ أَوِ الْقَوْمِيَّةِ، فَقَدِ ابْتَعَدَ عَنِ الرُّوحِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ وَتَجَرَّدَ مِنْ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ.
وَقَدْ جَاءَ في
الْقُرْآنُ الكريم: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37].
وَعَلَى هَذَا، فَقِيمَةُ الْأُضْحِيَّةِ لَا تَكْمُنُ فِي ظَوَاهِرِ الْمَنَاسِكِ، بَلْ فِي عُمْقِ التَّحَوُّلِ الْأَخْلَاقِيِّ وَالرُّوحِيِّ لِلْإِنْسَانِ. وَفِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ: «لَيْسَ الدِّمَاءُ وَاللُّحُومُ تَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ، وَلَكِنْ يَصْعَدُ إِلَيْهِ الْقَلْبُ التَّقِيُّ».
وَمِنْ هُنَا، فَالْأُضْحِيَةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ أَنْ يُضَحِّيَ الْإِنْسَانُ بِالْغَضَبِ لِلْحِلْمِ، وَبِالْكَرَاهِيَةِ لِلْمَحَبَّةِ، وَبِالْأَنَانِيَّةِ لِلْمَسْؤُولِيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَفِي قَوْلٍ رَائِعٍ لِلْإِمَامِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَيْسَ الْقُرْبَانُ ذَبْحَ الشَّاةِ فَقَطْ، وَلَكِنْ قُرْبَانُ الْمُؤْمِنِ نَفْسُهُ».
الْعَالَمُ الْمُعَاصِرُ يَغْرَقُ فِي الْحُرُوبِ وَالتَّمْيِيزِ وَالشِّقَاقَاتِ الْهَوِيَّةِ وَالْأَزِمَاتِ الْأَخْلَاقِيَّةِ الْوَاسِعَةِ. فِي هَذَا الظَّرْفِ، تَحْتَاجُ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ إِلَى إِحْيَاءِ «أَخْلَاقِ الْأُضْحِيَةِ»؛ أَخْلَاقٍ قَائِمَةٍ عَلَى التَّعَاطُفِ وَالْعَدْلِ وَكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ وَتَوَاصُلِ الْمَصِيرِ بَيْنَ الشُّعُوبِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَايَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
إِنْ كَانَ الْحَجُّ أَعْظَمَ جَمْعٍ تَوْحِيدِيٍّ لِلْمُسْلِمِينَ، فَعِيدُ الْأَضْحَى يَجِبُ أَنْ يَكُونَ رَمْزًا لِاجْتِيَازِ الْفُرْقَةِ وَالْعَوْدَةِ إِلَى الْأُمَّةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ، تِلْكَ الْأُمَّةِ الَّتِي تَعْتَبِرُ أَلَمَ الْإِنْسَانِ - أَيَّمَا كَانَ عِرْقُهُ أَوْ مَذْهَبُهُ أَوْ لُغَتُهُ - أَلَمَهَا. وَفِي خُطْبَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَ النَّبِيُّ(ص): «أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى».
السُّؤَالُ الْجَوْهَرِيُّ الْيَوْمَ: مَاذَا نُضَحِّي؟ هَلِ اكْتَفَيْنَا بِظَوَاهِرِ الشَّعَائِرِ، أَمْ أَنَّنَا مُسْتَعِدُّونَ لِتَضْحِيَةِ التَّعَصُّبَاتِ الْمَذْهَبِيَّةِ، وَالْعُنْفِ الْقَوْلِيِّ وَالْفِعْلِيِّ، وَالْمَصَالِحِ وَالْأَنَانِيَّاتِ الْفَرْدِيَّةِ وَالْجَمَاعِيَّةِ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ؟ وَيَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ لَمْ يَذْبَحِ الْهَوَى لَمْ يَصْعَدْ إِلَى التُّقَى».
عِيدُ الْأَضْحَى لَيْسَ عِيدَ دَمٍ، بَلْ عِيدُ تَحَرُّرِ الْإِنْسَانِ مِنْ أَسْرِ النَّفْسِ، وَعَوْدَتِهِ إِلَى الْفِطْرَةِ الإِلَهِيَّةِ. قَالَ الْقُرْآنُ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]
لَقَدْ عَلَّمَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْبَشَرِيَّةَ أَنَّ الْإِيمَانَ الْأَصِيلَ لَا يَتَحَقَّقُ بِالْقَسْرِ وَالْعُنْفِ، بَلْ بِالِاسْتِسْلَامِ لِلْحَقِّ، وَالرَّحْمَةِ بِالْإِنْسَانِ، وَالِاسْتِعْدَادِ الدَّائِمِ لِإِصْلَاحِ الذَّاتِ.
كُلُّ عَامٍ وَالْمُسْلِمُونَ وَجَمِيعُ الْبَاحِثِينَ عَنِ الْحَقِّ بِخَيْرٍ، وَجَعَلَ اللَّهُ هَذَا الْعِيدَ بِدَايَةً لِتَضْحِيَةِ الْأَحْقَادِ وَالْأَنَانِيَّاتِ وَالْفُرْقَاتِ، وَفَتْحًا جَدِيدًا لِإِحْيَاءِ الْأَخْلَاقِ وَالْعَقْلَانِيَّةِ وَالْعَدْلِ وَالتَّعَايُشِ فِي الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
عيدالاضحي
ذی الحجه ١٤٤٧ ه. ق