ایکنا

IQNA

عاشوراء وتجليات اليقين الحسيني

10:32 - June 27, 2026
رمز الخبر: 3505257

عاشوراء وتجليات اليقين الحسينيأ.د فرح موسى: رئيس المركز الإسلامي للبحوث القرآنية في لبنان

هذه هي الكلمة التي اختصر بها الإمام الحسين(ع) مسيرة الحياة الإنسانية،"كأن الدنيا لم تكن، وكأن الآخرة لم تزل".كلمةٌ قالها الإمام(ع) لأخيه محمد بن الحنفية، وهو في الطريق إلى كربلاء المقدسة، وكم هي كاشفة هذه الكلمة عن معنى الحياة وديمومة الوجود؟

فلم يحسب الإمام(ع) أيام الدنيا إلا بما تعنيه من آخرة! وهذا هو منهج القرآن الكريم في تعليمنا حقيقة ما ينبغي الركون إليه في معنى الحياة، إذ هو لم يأتِ على ذكر الدنيا حينما تحدّث عن طرائق العبور، ومشاهد الحضور، فقال تعالى بعد مراحل خلق الإنسان من النطفة إلى العلقة، إلى المضغة، إلى العظام:" ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون…".

نلاحظ أن الآيات لم تأتِ على ذكر الدنيا وما يكون للإنسان فيها من حضور وعبور! بل تحدّثت عن الموت والبعث! وكأن القرآن الكريم يوصينا بأن لا نكترث إلى ومضة الحياة الخاطفة، وأن نكون على وعي بطرائقها الزائلة، بحيث تكون الآخرة هي المرتكز ومحور العيش والسعي الحثيث في برهة الحياة!

فكثيرون هم الذين لا يلتفتون إلى تعاليم القرآن، ويعيشون الدنيا كأنها لم تزل! ثم يأتيهم الموت وهم على باطل ما توهموا، وغدر ما اطمأنوا إليه من زينة الدنيا! لقد أوضح الإمام الحسين(ع) هذا المعنى، وأوصى العباد بأن لا يخافوا في نصرة الحق، لكون ذلك يشكّل عنوانًا لصحة الفكر والمسلك في ما يكون للناس من حياة، لأن الله تعالى لم يخلق الخلق عبثًا، ولم يتركهم سدًى، فإذا ما عبثوا بخلقهم، وأخلدوا إلى الأرض، فلا بد أن يؤول بهم ذلك إلى التخلف عن ركب الآخرة!

فمسيرة الإنسان وعيشهُ الحقيقي إنما  يكون بما أمر الله تعالى به من الحق والإصلاح، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإلا استحالت الحياة إلى ظلام دامس، فالدنيا لم تكن إلا بما حق لها أن تكون عليه من إيمان والتزام وعمل صالح، فمن سلك سبيل ذلك كانت له الدنيا والآخرة، وهذا ما تجلّت به عاشوراء، أنها لم تقبل الدنيا إلا بما هي طريق للآخرة، فكان  العيش واحدًا، والموت حياةً، فلو أن الأمة الإسلامية، والإنسانية جمعاء انكشفت على هذا المعنى، لأبصرت حقيقة اليقين الحسيني، ولكانت اتخذت منه نبراسًا في مسيرة حياتها، ولكنها تخلفت عن هذا اليقين، وركنت إلى كل ما هو مدبر وهالك! فماتت عن كل طرائق عيشها ووجودها!

فالحسين(ع) كما قال رسول الله(ص):"مصباح الهدى وسفينة النجاة"، وهذا ما تعنيه كربلاء للأمة الحية والواعية لدورها ووظيفتها، فهو مصباحٌ لا تظلمه الحياة، وسفينةٌ لا تغرقها الأمواج والأهوال، فالحسين(ع) هو كذلك حيًا وميتًا، قائمًا وقاعدًا، وكان من سوء حظ كثير من الناس العماء عن حقيقة الحسين(ع) بما هو إمام لليقين، فأنكروا ضوء الشمس رغم سطوعه، وأظلموا في حياتهم عماءً عن نوره!

 فمن أين تكون الحياة لمن لم يتبصروا بأشرفية الوجود لمن هو سابق بالفضل والخلود؟ وهل كان من الممكن أن تتشكّل أمةٌ من دون إمام؟ أو أن تُرى الآخرة من دون ممات؟ فالحسين(ع) سابق في الوجود، تمامًا كما هو سابق بالنور، وأشرفية مراتب الوجود، كما بيّنت فلسفة الإشراق، وكما هو ثابت في العقول، تثبت لنا شرافة كربلاء في حقيقة "ن، والقلم وما يسطرون".

إنه اليقين الإلهي في مسيرة ما كان لأنوار الأنبياء أن تكتمل إلا بها، نورٌ من نور وعلى نور في حق إلهي دائم الظهور إلى اليوم المشهود.ولهذا قال الإمام(ع):" ومَن لم يلحق بنا لم يُدرك الفتح"، وكان له من الدنيا صبابة الماء والمرعى الوبيل في ظلمة الحياة… !

captcha