بقلم محمد عزمي عبد الحميد، رئيس المجلس الاستشاري للمنظمات الإسلامية الماليزية (MAPIM)
لقد أثبت التاريخ مراراً وتكراراً أن الجيوش الجبارة قادرة على احتلال الأراضي وتدمير المباني واغتيال القادة، ومع ذلك، أثبت التاريخ أيضا أنها لا تستطيع بسهولة القضاء على روح الأمة.
أولئك الذين اعتقدوا أن استشهاد قائد الثورة سيغرق إيران في الفوضى قد أساءوا فهم الأساس الذي بُنيت عليه الجمهورية الإسلامية الايرانية. لقد تخيلوا خطأً أن القيادة في يد شخص واحد، بينما في الحقيقة، تكمن قيادة هذا البلد في قلوب ملايين الأشخاص الذين اتخذوا التضحية والشرف والإيمان ركائز لهويتهم الوطنية.
ما كان يُراد به كسر شوكة إيران، زادها قوةً وعزيمةً، وما كان يُراد به إسكات صوتها، زادها قوةً ورسالةً، وما كان يُراد به تقسيم شعبها، وحّده بعزيمةٍ أقوى.
على مرّ التاريخ، لم تكن الشهادة يوماً دلالةً على الهزيمة في الحضارة الإسلامية، فـ منذ كربلاء وحتى يومنا هذا، كان دم الشهداء مصدراً للصحوة الأخلاقية، تضحيتهم تذكر كل جيل بأن للعدالة ثمناً، وأن الحرية يصونها أولئك المستعدون للدفاع عنها.
إن مراسم تشييع القائد الشهيد ليست مجرد وداع، بل أصبحت إعلاناً للعالم بأن إيران ما زالت موحدة رغم الضغوط الخارجية الهائلة. الملايين الذين تجمعوا في هذه المراسم لا ينوحون فحسب. إنهم يؤكدون على العهد بأن استقلال وسيادة وهوية الأمة الإسلامية لن تستسلم من خلال الترهيب أو العدوان العسكري.
التفوق العسكري لا يمكنه خلق شرعية. العقوبات الاقتصادية لا يمكنها تدمير الاعتقاد الراسخ. الحرب النفسية لا يمكنها هزيمة شعب تتجذر مقاومته في الإيمان.
لقد تحملت إیران لعقود العقوبات، والعزلة الدبلوماسية، والعمليات السرية، والهجمات السيبرانية، والتخريب، والتهديدات العسكرية. ومع ذلك، لا تزال الأمة صامدة. لا يمكن تفسير هذا الصمود بالاستعداد العسكري أو المؤسسات السياسية وحدها. هذا الصمود يُحفظ بإيمان جمعي بأن العزة الوطنية لا تنفصل عن الاستقلال.
لقد كان هدف إضعاف إیران دائماً يتجاوز القضايا الجيوسياسية. الهدف هو محاولة القضاء على واحدة من الدول الإسلامية القليلة التي تصر على الحفاظ على مسار سياسي وعلمي واستراتيجي مستقل دون هيمنة خارجية.
لذلك، فإن هذا الكفاح أكبر من كفاح أمة واحدة فقط. إنه اختبار حول ما إذا كانت الحضارة الإسلامية تستطيع تحديد مستقبلها بناءً على قيمها الخاصة أم لا.
في جميع أنحاء العالم الإسلامي، يتابع الكثير من الناس هذه الأحداث بتأمل عميق. إن مسألة ما إذا كان المرء يتفق مع كل جانب من جوانب النظام السياسي في إیران أم لا، هي مسألة تأتي في المرتبة الثانية مقارنة بحقيقة أكبر. يدرك الكثيرون أن العدوان الخارجي ضد الدول المستقلة يشكل سابقة خطيرة للأمة بأكملها.
إذا كان من الممكن استهداف دولة مستقلة بشكل منهجي بسبب رفضها للاستسلام، فلا توجد أمة تقدر سيادتها يمكنها أن تظل غير مبالية.
لذلك، أصبح استشهاد القائد لحظة حاسمة تتجاوز حدود إیران. هذا الحدث يدعو المسلمين في كل مكان لإعادة اكتشاف الوحدة والشجاعة والاستقلال الاستراتيجي. هذا الاستشهاد يذكر الأمة بأن التفرقة الداخلية لا تزال تمثل أكبر نقطة ضعف لها، بينما يظل التضامن أكبر نقطة قوة لها.
غالباً ما يتذكر التاريخ ليس أولئك الذين امتلكوا قوة عسكرية عظيمة، بل أولئك الذين رفضوا الاستسلام لمبادئهم رغم الصعوبات الطاحنة.
الأمم تبقى على قيد الحياة بفضل ما هو أكثر من مجرد السلاح. إنها تبقى بذكرياتها، ومعتقداتها، وتضحياتها، وإيمانها الذي لا يتزعزع بأن العدالة تستحق الصمود.العالم الآن يراقب انفتاح فصل آخر.
روح إیران قد استيقظت. إیران تنهض بذكرى قائدها المعظم الشهيد. ورغم كل المشكلات، لا تزال تقاوم كل محاولة لتدمير روح أمة إسلامية.
4362086