ایکنا

IQNA

المراد بالنصر العزيز هو النصر الذي لا تعقبه هزيمة

13:53 - July 23, 2026
رمز الخبر: 3505641
المراد بالنصر العزيز هو النصر الذي لا تعقبه هزيمةبقلم الكاتب والباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي

قال الله تعالى: وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴿الفتح: 3﴾.
 
جاءت هذه الآية الكريمة من سورة الفتح في سياق التأكيد الإلهي للرسول الأعظم (ص) بالفتح المبين المتحقق في علم الله تعالى، فكرر سبحانه الوعد له بأن نصرًا عزيزًا سيتحقق له في قادم الأيام القريبة، وقد تحقَّق بالفعل، فقد فتح رسول الله (ص) مكة المكرمة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وأمِنَ المسلمون على دينهم، وانتفى عنهم التهديد الوجودي الذي لازمهم سنوات طويلة، وتحولوا من جماعة مستضعفة مطاردة إلى أمة قائدة، تمتلك زمام المبادرة، وصارت القوة الأولى في الجزيرة العربية، ثم امتد سلطانها حتى واجهت أعظم الإمبراطوريات في زمانها، وانتصرت عليها، فكان ذلك من أوضح مصاديق النصر العزيز الذي وعد الله به نبيه.
 
لقد ورد لفظ النصر في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، لكن الله سبحانه وصفه هنا بصفة العزيز، فقال: (وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا)  وهذه الزيادة في الوصف للكشف عن طبيعة هذا النصر وخصائصه، فليس كل نصر عزيزًا، فقد ينتصر قوم في معركة ثم يُهزمون في أخرى، أو يحقِّقون غَلَبة عسكرية ثم يعجزون عن تثبيت آثارها، أما النصر العزيز فهو نصر يستمد عزته من عزة الله، ولذلك لا يقدِر أحد على نقضه أو إبطاله، لأنه قائم على الحق، مؤيَّد بالعناية الإلهية، محفوظ بسنن الله الجارية في التاريخ.
 
وقد ذكر المفسرون أن المراد بالنصر العزيز هو النصر الذي لا تعقبه هزيمة، ولا يلحقه انكسار، ولا تنقض آثارَه الأيام، لأنه نصر يتحقق للحق، وبالحق، وفي سبيل الحق، لا بالغدر، ولا بالخيانة، ولا بالمؤامرات، ولا بالتحالف مع الظالمين، وإنما بالجهاد المشروع، والصبر، والثبات، والتوكل على الله، حتى يكون الظفر العسكري ثمرةً للنصر الإيماني والأخلاقي الذي سبقه.
 
ومعلوم أن هذا النصر جاء بعد الوعد بالفتح في مطلع السورة، مِما يدل على أن فتح مكة ليس هو الغاية النهائية، وإنما هو بداية مرحلة جديدة تتجلّى فيها آثار النصر العزيز، إذ تزول الموانع التي كانت تحول بين المؤمنين وبين أداء رسالتهم، وتنكسر شوكة أعدائهم، ويأمن الناس على دينهم، ويصبح المجتمع المؤمن قادرًا على بناء حضارته ونشر هدايته، فبالنصر العزيز تصبح زمام المبادرة بيد أهل الإيمان، ويغدو الباطل في موقف الدفاع والانحسار بعد أن كان في موقع الهجوم والاستعلاء.
 
ولهذا فإن وصف النصر بالعزيز يدل على تمام الغلبة وكمال المِنعة، لأن العزة في القرآن هي القوة التي لا تُقهر، فإذا أضاف الله العزة إلى النصر، كان معناه أن المؤمنين يبلغون من أسباب القوة والتمكين مبلغًا يعجز معه أعداؤهم عن استرداد ما فقدوه من سلطان، أو إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، فيصير دين الله ظاهرًا، وأولياؤه أعزة، وأعداؤه أذلة، كما قال سبحانه: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴿المنافقون: 8﴾.
 
ومن هنا، فإن النصر العزيز تحول حضاري شامل، تتغير به كل الموازين، وينتقل المجتمع المؤمن من مرحلة الدفاع عن وجوده إلى مرحلة صناعة التاريخ، ومن دفع العدوان إلى إقامة العدل، ومن مقاومة الباطل إلى قيادة الحياة بمنهج الله، ولذلك كان فتح مكَّة إعلانًا بانتهاء عهد الشرك في الجزيرة العربية، وبداية عهد جديد أصبحت فيه كلمة الله هي العليا، وأصبح الإسلام هو المرجعية الحاكمة في المجتمع، وهذا ما أكَّده رسول الله (ص) فقد روى المؤرخون أنه خطب في حجة الوداع وكان مِمّا قال:  "إنَّ الزَّمانَ قَدْ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ وَالأَرْضَ".
وقال: "أَلا إِنَّ كُلَّ شَيٍءٍ مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمي مَوضُوعٌ"
 
إن سُنَنَ الله لا تتبدل ولا تتحول، فالنصر العزيز الذي كان لرسول الله (ص) سيكون للمؤمنين المخلصين من بعده، كلما كان صراع بينهم وبين الظالمين، ومن هنا فإن المؤمنين اليوم، وهم يخوضون واحدة من أعظم المواجهات الوجودية في تاريخهم، لا ينبغي أن يقصروا آمالهم على نصر محدود، أو مكسب مرحلي، أو هدنة مؤقتة، وإنما ينبغي أن يتطلعوا إلى النصر العزيز الذي وعدهم الله به  إذا استكملوا شروطه، وهو النصر الذي يبدِّل موازين القوة، ويكسر هيمنة الاستكبار، ويُنهي مرحلة الاستضعاف، ويفتح للأمة أفقًا جديدًا من العزة والاستقلال والسيادة.
 
وما تشهده الأمة في هذه المرحلة ليس صراعًا على حدود، ولا نزاعًا على مصالح عابرة، بل هو مواجهة على الهوية والوجود والرسالة، يريد فيها أهل الباطل أن يهدموا أمتنا، وأن يفرضوا سلطانهم الثقافي والسياسي والعسكري على الأمة كلها، وإذا كانت طبيعة المعركة وجودية، فإن مقتضى السنن الإلهية أن يكون النصر الموعود نصرًا وجوديًا أيضًا، أي نصرًا يحسم الصراع، ويزيل أسباب الهيمنة، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها أهل الإيمان أصحاب المبادرة، إن شاء الله، كما كان شأن المسلمين بعد فتح مكة.
 
captcha