ایکنا

IQNA

"خُذُونِي"؛ نِداءُ العِشقِ العَقْلِيِّ في المدينةِ الفاضلةِ للمقاومة

11:46 - July 24, 2026
رمز الخبر: 3505643
بقلم "صدرُ الدِّين دِيردار القُمِّي"؛ طالبُ ماجستير في الثقافة والتواصل بجامعة باقرالعلوم (عليه السلام)

المترجم: احمد خماسی
 
المقدمة

كان ذلك في مارس/ آذار 2026؛ إذ كان العالم يقف على أعتاب شهر رمضان آخر، رمضانٍ أشرق على الأمَّة الإسلامية كما لو كان بعثةً جديدة. وكان العالم الإسلامي لا يزال يعيش حالة الذهول والأسى إثر استشهاد قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إمام الأمَّة، سماحة آية الله الخامنئي؛ ثم بدا انتخابُ سماحة آية الله السيد مجتبى الخامنئي وكأنَّه نفخ روحًا جديدةً في جسد الشعوب الإسلامية.

وفي تلك اللحظة التاريخية، التي تلاشت فيها الحدود بين إيران والعراق ولبنان وتونس أمام «الألم المشترك» و«الهدف المشترك»، صدر نشيد «خُذُونِي لِلْمُجْتَبَى الْأَمْجَدِ»، ولم تمضِ سوى أيام قليلة حتى تجاوز مئات الآلاف من المشاهدات على منصة يوتيوب، وكأنَّ هذا اللحن كان نداءَ انبعاثِ أمَّةٍ من قلب الرماد؛ نداءً وُلِد من الفضاء الثقافي البيني للمقاومة.

وقد تحوَّل هذا النشيد إلى ظاهرةٍ استثنائية لسببين رئيسين: أولهما الكلمات المؤثرة التي صاغتها الشاعرة التونسية المبدعة ريم الوريمي، وثانيهما اللحن والصوت اللذان، على الرغم من أنهما لم يخرجا من حنجرة أيِّ إنسان، حملا حرارةً صادقةً من الشوق، حتى ظنَّ كثيرون أنَّه الصوت الحقيقي للمطربة اللبنانية المعروفة جوليا بطرس.

غير أن الحقيقة هي أن الفنان اللبناني رامز السيد استخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لإعادة بناء صوت جوليا بطرس وإلباسه هذه القصيدة؛ وهو اختيارٌ ذكي ربط هوية المقاومة، متجاوزًا الحدود الوطنية، بامتدادٍ عابرٍ للانتماءات الدينية من خلال فنانةٍ مسيحية هي جوليا بطرس.

أمَّا الشاعرة، فعلى خلاف ما اعتقده كثيرون في البداية من أنها ليست سوى اسمٍ مستعار على الفضاء الرقمي، فقد كانت شخصيةً حقيقيةً وفاعلةً من تونس. ولم تمضِ فترةٌ طويلة بعد نشر هذا النشيد حتى حضرت بنفسها، في 30 فروردين 1405 هـ.ش، إلى ميدان آزادي في طهران، وألقت قصيدة «خُذُونِي» مباشرةً، مستلهمةً هتافات الثورة الإيرانية، ومن دون أي وسيط.

وهكذا تحقَّق حلمها القديم؛ أن تطأ شوارع طهران، وأن تُلقي قصيدتها في أجواء الحرية.

ويروي هذا النشيد قصة شاعرةٍ تتمنى أن يأخذها الناس إلى شوارع طهران، لتبتهج بزوال الاستبداد، ولتخاطب الشعب الإيراني؛ وأن تمضي إلى ميدان آزادي مرددةً التكبير، وأن تخاطب شارع الثورة، حيث إنَّ صدح التكبير في ذلك الشارع يُعَدُّ بالنسبة إلى العدوِّ نوعًا من العذاب.
 
ثم يتوجَّه الخطاب إلى الشعوب العربية، فيتحدث عن ضياع الهوية العربية وارتفاع راية العزة والفخر على أيدي الإيرانيين. كما يدعو إلى مبايعة روحِ صوفيٍّ مُخلِص، وإلى الدوران على طريقة المولوية، حتى يرتقي الإنسان من الأرض إلى سماء الحرية. غير أن ما جعل هذا النداء أكثر إدهاشًا هو هويةُ راويه؛ فهو شاعرٌ يصرخ قائلًا: «خُذُونِي بِسُنِّيَّتِي، خُذُونِي بِعُرُوبَتِي».

ومن خلال انتمائه إلى المذهب السُّني وهويته العربية، يعبِّر الشاعر عن رغبته في التوجُّه إلى مرقد الإمام، ومبايعة الشهداء، ومدِّ يده نحو «المجتبى الأمجد» ونحو الإمام الرضا (عليه السلام). ويختتم النشيد بمشهد المبايعة عند المرقد، ومدِّ اليد نحو الإمام، وزيارة مدينة مشهد.

إنه مزيجٌ فريد من المشاعر الإنسانية، والذكاء الاصطناعي، ورحلةٍ واقعية؛ وهي عناصر أصبحت اليوم بمنزلة المنبر الإعلامي لما يُعرف بـ «المقاومة الناعمة». وهذا هو بعينه الحوار بين الثقافات والحوار بين الأديان والمذاهب في فضاء الفن المقدَّس؛ حوارٌ تتلاشى فيه الهويات الوطنية والطائفية، لتولد بدلًا منها هوية «الأمة الواحدة» و**«العشق العقلي»**؛ ذلك العشق الذي تُعرِّفه الفلسفة الإسلامية بأنه أسمى مراتب الحب الإرادي القائم على الإدراك العقلي.
 
وفي هذه الدراسة، نسعى إلى الكشف عن السر الكامن وراء قدرة هذا النشيد على اجتياز الحدود في مدةٍ زمنية قصيرة. فهل يُعدُّ مجرد موجةٍ إعلامية عابرة؟ أم أنه يمثل نوعًا من الجاذبية التي تخاطب الفطرة الإنسانية، وهي الجاذبية التي يُطلَق عليها في الفن الديني «الجاذبية المعقولة»؟

وللإجابة عن هذا التساؤل، سنعتمد على مقال «من الحكمة الإسلامية إلى حكمة الفن الإسلامي» (هاشميان وبزرگ، 2016م/1395هـ.ش)، حيث سنطبِّق عناصر الجاذبية الأربعة للفن الديني على هذا النشيد، كما سنتناول بالتحليل عنصري الفنان والمتلقّي.

1) الرؤية الآياتية والتسبيحية

في حكمة الفن الإسلامي، يُعَدُّ العمل الفني «آيةً وتجليًا للجمال الإلهي المطلق»، وينبغي أن يهدي المتلقي من عالم الشهادة إلى عالم الغيب. ويؤكد المقال، في بيانه لهذا المكوِّن، ما يأتي:

«إن الفن الإسلامي مكاشفةٌ تصويرية تهدف إلى بيان الحقيقة المتجاوزة للواقع المحسوس. فالطبيعة، وكلُّ ما يُسمَّى واقعًا، يمتلك وجودًا واعتبارًا بوصفه وجهًا من وجوه الحقيقة، ويشكِّل عتبةً لانطلاق الفنان، لا مستقرًّا يستغرق فيه. وفي هذه الرؤية، تُصاغ الصورة بحيث تُطابَق الحقيقة الوجودية للمسار مع هيئةٍ آياتية، سواء أكانت صورةً خياليةً وتمثيليةً أم صورةً واقعيةً، لتنسجم مع معناها المتعالي والحقيقي. وبعبارة أخرى، فإن الرؤية الآياتية هي محاولةٌ لإظهار الظواهر في صورةٍ تتوافق مع معناها المتعالي في علاقتها بالله تعالى.» (هاشميان وبزرگ، 1395هـ.ش: 17–18)

ويضيف المقال:  «إذا كانت الرؤية الآياتية تمثل منهجيةً في النظر، فإن الرؤية التسبيحية هي ثمرةُ هذه المنهجية، وتستند إلى النداء القرآني.»

قال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (سورة الإسراء: 44).

ويتابع المقال: «ويتمثل هذا النوع من الرؤية في تقديم تصويرٍ شامل لحياة الموجودات، ومعتقداتها، ومسيرتها، ضمن نظامٍ كوني، وفي إطار علاقتها بالخالق الواحد.» (المصدر نفسه: 18)

شوارع طهران: من الطريق المادي إلى سبيل الزيارة

يتجلّى هذا النمط من الرؤية في نشيد «خُذُونِي» من خلال إضفاء المعنى على العناصر المادية وتحويلها إلى رموزٍ مقدسة. فالشاعر لا يُنكر وجود الشارع بوصفه فضاءً ماديًا؛ إذ تحضر في النص «شوارع طهران» و**«ساحة آزادي»** و**«شارع الثورة»** حضورًا واقعيًا ملموسًا. غير أن نداء «خُذُونِي»، المنبعث من قلب هذه الفضاءات الحضرية، يمنحها وجهةً جديدةً ومعنىً آخر.

يقول الشاعر:

«خُذُونِي لِسَاحَةِ آزَادِي أُكَبِّرُ»
(خذوني إلى ساحة آزادي لأُكبِّر).

ويحوِّل هذا النداء الشارع، الذي يبدو مجرد فضاءٍ مادي، إلى مسارٍ للذِّكر والتكبير، وإلى طريقٍ للزيارة. فلا يعود المتلقي يمشي في الشارع فحسب، بل يُقاد نحو الإمام. وهذه هي الرؤية الآياتية بعينها؛ أي النظر إلى الظواهر لا باعتبارها مكتفيةً بذاتها، وإنما بوصفها عتبةً تؤدي إلى الحقيقة المتعالية.

وهكذا يغدو الشارع آيةً تدل على القبلة، ويكتسب شارع الثورة حياةً رمزيةً حتى إن الشاعر يخاطبه قائلًا:

«بِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِيكَ لِلْعَدُوِّ عَذَابٌ»
(إن التكبير فيك عذابٌ للعدو).

وعلاوةً على ذلك، فإن التكبير في هذا النشيد ليس مجرد شعارٍ سياسي أو حماسي، بل هو ذِكرٌ يُمثِّل، في نظر الشاعر، عذابًا للعدو. ومن ثمَّ، فإن الرؤية الآياتية تمتد هنا إلى الفعل الجماعي نفسه؛ إذ يُنظر إلى اجتماع الناس لا بوصفه ظاهرةً اجتماعيةً مجردة، وإنما بوصفه آيةً من آيات القدرة الإلهية.

2) سموُّ الصورة والمضمون

يُبيِّن المقال، في شرحه لهذا المكوِّن، أن: «لا يكفي أن يتناول العمل الفني الديني موضوعًا دينيًا، بل ينبغي أيضًا أن يتسم بصيغةٍ دينية وأسلوبٍ ديني في التعبير.»

ويؤكد كذلك أن: «في عملية إبداع العمل الفني القائم على الحكمة الإسلامية، لا يقتصر السمو على المضمون وحده، بل يشمل الصورة والشكل أيضًا؛ لأن الحقائق التي اتحد بها وجود الفنان، عند نزوله في مراتب الوجود، تتجلى أولًا في مرتبة الخيال في صورةٍ مجردةٍ من المادة، ثم إذا انتقل الفنان إلى عالم الحس، ألبس تلك الصورة ثوب المادة بإيجادها في العالم الخارجي. وعلى هذا الأساس، فإن الصورة والمضمون حقيقةٌ واحدة، تكون الصورة فيها تمثُّلًا للمضمون.» (المصدر نفسه: ص 19، نقلًا عن الأنصاريان).

في نشيد «خُذُونِي»

المضمون

يمتلئ النشيد بالمضامين العقلية والعرفانية؛ فهو يتحدث عن المبايعة العرفانية للولاية عند المرقد: «أُبَايِعُهُ بِرُوحِ صُوفِيٍّ مُرِيدٍ»، وعن التطلع إلى الشهادة: «أَمُدُّ يَدِي لِفَرْحَةِ الشَّهِيدِ»، وعن الزيارة: «خُذُونِي لِلرِّضَا، خُذُونِي مَشْهَد». وجميع هذه المضامين تندرج ضمن الجماليات المعقولة، وتدعو المتلقي إلى الارتقاء إلى مراتب أسمى من الإدراك.

الصورة

التحدي والنجاح

تتميّز الصورة الفنية في هذا النشيد بطابعٍ مزدوج ومبتكر. فمن جهة، أوجد اللحن والتوزيع الموسيقي، اللذان أعدّهما رامز السيد باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، إيقاعًا ملحميًا ذا نفحةٍ عرفانية، يستحضر في إيقاعه المسيرات المليونية في زيارة الأربعين. ويؤدي هذا الإيقاع إلى استنهاض المتلقي ودفعه نحو الحركة والتفاعل.

الذكاء الاصطناعي بوصفه «تسبيحًا» للتكنولوجيا

إن توظيف الذكاء الاصطناعي، بوصفه أحد أبرز مظاهر التكنولوجيا الحديثة، في إنتاج الذكر ومدح أهل البيت، يكشف عن أن المادة التقنية، على الرغم من قابليتها للانحراف، يمكن أن تُسخَّر لخدمة التعبير عن الحقيقة، وأن تتحول من أداةٍ للإلهاء والوهم إلى وسيلةٍ تستحث الإنسان على الذكر والتسبيح.

وقد يُثار هنا تساؤل: هل يفتقد الصوت الاصطناعي إلى «الروح»؟

ويجيب المقال عن ذلك بقوله: «إن الصناعة، من منظور صدر المتألهين، هي حضور صورة المصنوع في النفس على هيئة ملكةٍ راسخة، بحيث تصدر عنها صورةٌ خارجية من غير عناء.» (المصدر نفسه: ص 15، نقلًا عن صدر الدين الشيرازي).

غير أنه ينبغي، قبل كل شيء، معالجة إشكالٍ أساسي؛ فالصوت الاصطناعي المستخدم في هذا النشيد ليس صوتًا عشوائيًا، وإنما هو محاكاة دقيقة لصوت الفنانة اللبنانية المسيحية جوليا بطرس. واختيارها، وهي التي عُرفت سابقًا بأناشيدها الداعمة للمقاومة في الدفاع عن فلسطين، من قِبل رامز السيد، يحمل رسالةً ثقافية متعددة الأبعاد؛ مفادها أن التكنولوجيا قادرة على توظيف صوت فنانةٍ مسيحية في مدح إمامٍ من أئمة الشيعة، من غير أن يعني ذلك زيفًا أو افتقارًا إلى الروح. بل إن هذا التوظيف يجسد ما يمكن تسميته «تسبيح التكنولوجيا».

كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي لمحاكاة صوت إنسانٍ حقيقي يثير تساؤلاتٍ جديدة حول أصالة الفن المقدس. غير أن الحكمة الإسلامية ترى أن معيار الأصالة لا يكمن في الأداة المادية، وإنما في الملكة الراسخة للفن في نفس الفنان. فإذا أبدع الفنان المسلم من خلال خيالٍ محمود، وفي إطار السنن الإلهية، فإن حتى الصوت المُعاد إنتاجه بالذكاء الاصطناعي ــ الذي يستحضر هنا الصوت المؤثر لجوليا بطرس ــ يمكن أن يغدو مرآةً لتجلِّي الجمال المعقول. وكذلك يقدِّم مونتاج الصور والفيديو الذي أنجزته مجموعة المحمديون، من خلال الجمع بين صور المرقد والرايات، تمثُّلًا معاصرًا للمفاهيم الدينية العريقة.

3) الواقع بوصفه سبيلًا إلى الحقيقة

يتمثل المكوِّن الثالث من مقومات الجاذبية في العمل الفني في الواقع بوصفه أرضيةً للوصول إلى الحقيقة. ويُقصد بهذا المكوِّن أن التعبير الرمزي والإيحائي، من منظور مفكرين مثل بوركهارت، يُعَدُّ من صميم طبيعة الفن المقدس وماهيته. ولذلك فإن الفن المقدس لا يقوم على النزعة الطبيعية أو الواقعية المحضة، بل يسعى إلى الكشف عن «الطبيعة الإلهية للأشياء» كما هي في حقيقتها، وهو أمرٌ لا يتحقق إلا من خلال الرمز والإشارة (المصدر نفسه: ص20).
 
كما أن هذا المنظور ينظر إلى الأشياء والأحداث بوصفها تحمل في آنٍ واحد وجهًا واقعيًا محسوسًا ووجهًا دلاليًا إيحائيًا؛ وتستمد صورها الظاهرة قيمتها من قدرتها على التعبير عن «الماهية الحقيقية للأشياء» (المصدر نفسه: ص22، نقلًا عن رهنورد).

تونس ولبنان والعراق وإيران: الجغرافيا الواقعية لمدينةٍ فاضلة عابرة للحدود والمذاهب

في نشيد «خُذُونِي»، تمثل الشاعرة التونسية، والملحن اللبناني، والرموز الإيرانية المتمثلة في طهران ومشهد وآزادي، جميعها حقائق واقعية تنتمي إلى ما يسميه النص «عالم المقاومة». ويوظف النشيد هذه الوقائع بوصفها جسورًا تؤدي إلى حقيقة الأمة الواحدة.

وفي هذا العمل، تتهاوى الحدود السياسية المصطنعة، التي أوجدتها اتفاقية سايكس–بيكو الاستعمارية، لتحل محلها حقيقة الولاية والتشيع العابر للحدود.

والأكثر دلالةً أن الشاعر لا يُذيب هويته المذهبية والقومية في هذا المسار، بل يجعل منها قربانًا للمبايعة، حين يقول: «خُذُونِي بِسُنِّيَّتِي، خُذُونِي بِعُرُوبَتِي.»

فهو لا ينظر إلى انتمائه السُّني أو هويته العربية على أنهما عائقٌ يحول دون القرب، بل يعدهما علامةً للدخول إلى المدينة الفاضلة؛ تلك المدينة التي تظل أبوابها مفتوحةً أمام كل محبٍّ لأهل البيت، بصرف النظر عن لغته أو مذهبه.

وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها «طريقًا»

يفيد هذا المكوِّن بأن العناصر الواقعية، كالمكان والتاريخ والمجتمع، ليست غايةً في ذاتها، وإنما هي عتباتٌ تشير إلى حقيقةٍ أسمى.

وتُعد منصة يوتيوب بدورها واقعًا رقميًا، وربما تبدو للوهلة الأولى «مدينةً جاهلية» بصيغتها الحديثة. غير أنها، في هذا السياق، تتحول إلى وسيلةٍ تقود إلى الحقيقة؛ أي إلى طريقٍ ينقل المتلقي التائه في فضاء الإنترنت من تشتت العالم الرقمي إلى مرقد الإمام (عليه السلام).
 
ويمثل هذا الانتقال من الواقع الافتراضي إلى حقيقة الزيارة تجسيدًا واضحًا لهذا المكوِّن.
 
فيما يلي ترجمة أكاديمية دقيقة إلى العربية الفصحى المعاصرة، مع المحافظة على المعنى الأصلي وأسلوب الكتابة العلمية، من دون إضافة أو حذف. وقد رتبتها بحيث يكون النص الفارسي أولًا، ثم الترجمة العربية تحته، لتكون جاهزة للنسخ المباشر إلى Microsoft Word.

4) تصوير المدينة الفاضلة والثقافة البينية للمقاومة

في بيانه لمفهوم المدينة الفاضلة بوصفها الغاية التي يتجه إليها الفن الديني، يشير المقال إلى رأي صفائي الحائري، الذي يرى أن: «من أكثر السبل تأثيرًا وجاذبيةً في بيان كيفية إنشاء عالمٍ آخر، والوصول إليه بالإمكانات الواقعية المتاحة، تصويرُ المدينة الفاضلة بوصفها مجتمعًا تتجلّى فيه الجماليات الحقيقية، وذلك في إطار تصوير الثنائية بين الإنسان والشيطان، أو بين الجميل والقبيح.» (المصدر نفسه: ص23).

كما يوضح المقال، استنادًا إلى رأي الفارابي، أن: «المدينة الفاضلة هي المجتمع الذي يمتلك نظامًا دلاليًا عقليًا؛ لأن أفراده يجتمعون ويُقبلون على المعاني والجماليات العقلية.» (المصدر نفسه: ص5).

وفي نشيد «خُذُونِي»، تُصوَّر المدينة الفاضلة، في إطار الرؤية التوحيدية، ومن خلال تجاوز حدود الثقافات الجزئية، بوصفها ثمرةً لثقافة المقاومة في مواجهة جبهة الباطل. وهذه المدينة ليست مجرد حلمٍ بعيد، بل هي واقعٌ آخذٌ في التشكل.
 
نفي الواقع القائم

يصرح النشيد بقوله: «تَاهَتْ عُرُوبَتُنَا» أي: ضاعت عروبتنا، في إشارة إلى أزمة الهوية التي يعيشها العالم العربي. وهذا يمثل نقدًا صريحًا لـ «المدينة غير الفاضلة» وللأنساق الدلالية التي فقدت بوصلتها.

الإشادة بالفاعل التاريخي

وسرعان ما يمد الشاعر يده نحو إيران الثورة، قائلًا: «وَرَفَعَتْ رَايَةَ الشَّرَفِ أَيَادٍ فَارِسِيَّةٌ.» أي: ورفعت الأيدي الفارسية راية الشرف.
 
ومن منظور الشاعر، تحمل إيران اليوم راية الكرامة التي سقطت في العالم العربي. ولا تنطلق هذه الإشادة من نزعةٍ قومية، وإنما من تقديرٍ لأمةٍ تحمل لواء المقاومة والعزة.

تجاوز الحدود المذهبية والقومية

ولعل أبرز ما يميز هذه المدينة الفاضلة هو تجاوزها للحدود المذهبية والقومية. فالشاعر لا يُلغي هويته المذهبية والقومية، بل يقدمها قربانًا للمبايعة حين يقول: «خُذُونِي بِسُنِّيَّتِي، خُذُونِي بِعُرُوبَتِي.»

فهو يرى في انتمائه السُّني وعروبته علامةً تؤهله لدخول المدينة الفاضلة، لا عائقًا يحول بينه وبين القرب منها؛ تلك المدينة التي تظل أبوابها مفتوحةً لكل محبٍّ لأهل البيت، بغض النظر عن لغته أو مذهبه.

رسم نموذجٍ حضاري عابر للحدود والمذاهب

إن الغاية التي يرسمها النشيد هي المبايعة، ولكنها ليست مبايعةً تجري في فضاءٍ ذهني مجرد، بل تتم في مشهد، وعند المرقد: «خُذُونِي أُبَايِعْ عِنْدَ الْمَرْقَدِ، أَمُدُّ يَدِي لِلْمُجْتَبَى الْأَمْجَدِ.»

وتتحقق هذه المبايعة العاشقة ذات البعد العرفاني تحت راية السيف الحيدري، بوصفه رمزًا للقوة الإلهية، وبصحبة الرقصة المولوية، بوصفها رمزًا للسماع العرفاني.

والمدينة التي يصورها الشاعر هي مدينةٌ يجتمع فيها السني والشيعي، والعربي والأعجمي، جميعًا تحت ظل سيف حيدر، وفي رحاب ولاية السيد مجتبى والإمام الرضا (عليه السلام)، حيث تذوب الحدود في العشق العقلي لأهل البيت.

ويُعد العشق العقلي، في الفلسفة الإسلامية، ولا سيما في فلسفة ابن سينا، أسمى مراتب الحب الإرادي؛ لأنه يقوم على الإدراك والمعرفة العقلية، ويختلف اختلافًا جوهريًا عن الحب الغريزي أو العاطفي المجرد.
 
 ومن ثم، فإن محبة الإمام، في المدينة الفاضلة التي يصورها هذا النشيد، ليست اندفاعًا وجدانيًا عابرًا، وإنما هي اختيارٌ عقلي واعٍ ومبايعةٌ قائمة على البصيرة تصدر عن أمةٍ بلغت معرفة حقيقة الولاية.

ويمثل هذا التصوير تجسيدًا للعقلانية في أرقى صورها. فمع أن المشهد مشحونٌ بالمشاعر والانفعال، فإن توظيف الخيال المحمود يرفع المتلقي من مستوى الاستجابة الوجدانية المجردة إلى المستوى الإنساني والعقلي، ويهيئه لإدراك الجاذبية المعقولة والعشق العقلي للإمام (عليه السلام).
 
عنصران تكميليان: الفنان والمتلقي

يقوم كل عملٍ فني على ثلاثة عناصر تواصلية رئيسة: الفنان (مبدع العمل)، والعمل الفني (الوسيط)، والمتلقي (المستقبِل). وفي هذا النشيد، تكتسب هذه العناصر الثلاثة جميعها دلالتها ضمن أفقٍ عابرٍ للحدود ومتداخل الثقافات.

الفنان (مبدع العمل)

نحن هنا أمام فنانٍ جماعي عابرٍ للحدود والمذاهب. فالشاعرة ريم الوريمي من تونس، والموزع الموسيقي رامز السيد من لبنان، كلاهما يتحركان داخل فضاء المدينة الفاضلة للمقاومة.

والمثير للاهتمام أن الفنان، من خلال توظيف الصناعة الحديثة المتمثلة في الذكاء الاصطناعي، برهن على أن أدوات الحداثة لا تؤدي بالضرورة إلى الخيال المذموم أو إلى الفن الدنيوي، بل يمكن توظيفها في إطار السنّة، وفي خدمة الخيال المحمود.
 
غير أن السمة الأبرز للفنان تكمن في موقعه الوجودي؛ فالشاعر الذي يعرّف نفسه بأنه سني وعربي، ثم يتوجه إلى مشهد ليبايع المجتبى الأمجد، يغدو في ذاته رمزًا حيًّا للانتقال من المدن غير الفاضلة المتفرقة إلى المدينة الفاضلة الواحدة.
 
ومن منظور الحكمة الإسلامية، يمثّل الفنان هنا الخليفة؛ فهو لا يبعث المعنى في التكنولوجيا فحسب، بل ينفخ الروح أيضًا في هويةٍ قومية ومذهبية كانت تعاني التمزق، ويوظفها للتعبير عن العشق العقلي القائم على الإدراك والمعرفة بالولاية.

المتلقي (مُدرِك الجاذبية)

يتمثل متلقو هذا العمل في جميع الشيعة، وأهل السنة، والأحرار المؤمنين بقضية المقاومة في مختلف أنحاء العالم، الذين اجتمعوا في هذه المدينة الفاضلة الافتراضية.
وترى هذه الدراسة أن السعة الوجودية لهذا المتلقي، بفعل إيمانه وتفاعله مع مفاهيم مثل الجهاد والشهادة والولاية، تخضع لقيادة العقل والنفس الإنسانية، مما يؤهله لتذوق الجماليات المعقولة التي يحملها هذا النشيد، مثل الشهادة، والمبايعة، والزيارة.
أما المتلقي الذي غرق في المدينة غير الفاضلة، سواء أكان أسيرًا للاستهلاك الإعلامي أم للتعصب المذهبي، فإن هذا النشيد يمكن أن يشكل له أيضًا مدخلًا إلى الهداية، وأن يخاطب فطرته الإنسانية. وأما بالنسبة إلى متلقي الجبهة الثقافية، فإن هذا العمل يمثل نداءً للمبايعة وإعلانًا للوحدة يرتكزان على العشق العقلي للولاية.
 
الأفق الحضاري: ما وراء النشيد

تكشف قراءة نشيد «خُذُونِي لِلْمُجْتَبَى الْأَمْجَدِ» أن الجاذبية الأصيلة في الفن الديني ترتبط ارتباطًا مباشرًا بسمو الصورة والمضمون، وبوظيفته الشعائرية، وقدرته على صناعة الوحدة.

ويمثل هذا العمل نموذجًا جديرًا بالتأمل لما يمكن تسميته الفن الديني في عصر الذكاء الاصطناعي؛ إذ يوظف التكنولوجيا والهويات المتداخلة ثقافيًا، لا لإغراق المتلقي في الوهم والانقسام، بل لدعوته إلى الحضور في رحاب الولاية، وإلى الاتحاد مع سائر المحبين.

ومع ذلك، فلو اقترب هذا العمل، بدلًا من الاعتماد على التعبير التمثيلي والخطاب الحماسي، بدرجة أكبر من الرمزية والإيجاز اللذين يميزان الفن التقليدي، ومن البيان العقلي لبنية تلك المدينة الفاضلة، لربما ارتقت جاذبيته من المستوى الخيالي إلى مرتبة الجاذبية العقلية الخالصة.
 
إن ما شهده موقع يوتيوب في مارس/آذار 2026 مع انتشار هذا النشيد لم يكن مجرد نجاح إعلامي، بل كان تعبيرًا عن مقاومة ثقافية جماعية ذات امتداد عالمي.

وفي وقتٍ تسعى فيه وسائل إعلام الهيمنة والاستكبار، عبر إذكاء الانقسامات المذهبية والقومية، إلى طمس مشروع المقاومة والوحدة، تقدم أعمالٌ كهذا العمل صورةً لـ مدينةٍ فاضلة يقف فيها شاعرٌ عربي سني من تونس، بالتعاون مع فنانٍ لبناني، ليخاطب أبناء هذه الأمة الواحدة، على اختلاف أديانهم ولغاتهم، ويرفع في رثاء قائد الشيعة نداء المبايعة للولاية.

وليس هذا النشيد، في جوهره، إلا تعبيرًا عن الشوق إلى الوصال والبحث عن العشق العقلي؛ ذلك العشق الذي يتجاوز الحدود السياسية واللغوية والمذهبية والقومية، ويذكّرنا بأن «خُذُونِي» ليس مجرد نشيد، بل بيانٌ حضاري لمستقبل العالم الإسلامي، وخارطة طريق للمقاومة الثقافية في عصر الانقسامات.
captcha