ایکنا

IQNA

الدعاء في المنظور القرآني من أعظم أسلحة المؤمن

19:41 - August 07, 2026
رمز الخبر: 3505833

الدعاء في المنظور القرآني من أعظم أسلحة المؤمنبقلم الباحث اللبنانی فی الدراسات الدینیه "السيد بلال وهبي"

قال الله تعالى: "فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ﴿سورة القمر: 10﴾".

هذا ما دعا به نبي الله نوح (ع) بعد أن استنفد الأسباب، وضاقت عليه السبل، فبعد قرون طويلة من الدعوة، والصبر، والموعظة، والحوار، والجدال بالتي هي أحسن، لم يبق في يده سببٌ لم يجربه، ولا وسيلةٌ لم يستفد منها، حتى بلغ مرحلة قال فيها بلسان الحال قبل المقال: لقد انتهى كل ما أملكه من وسائل، ولم يبق إلا بابك يا رب.

لقد جاءت الآية في غاية الإيجاز، لكنها من أبلغ ما يكون في تصوير حال المؤمن في الأزمات الكبرى، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ﴾. فحين تُغلَق أبواب الأرض كلها، يبقى باب السماء مفتوحًا، بل هو الباب الذي لا يُغلق أبدًا، وهذه حقيقة ينبغي ألا يغفل عنها المؤمنون في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخنا، فإن الناس قد يخذلونهم، والأسباب قد تتعطل، والحسابات المادية قد تشير إلى استحالة النصر، لكن باب الله لا يُغلق، وقدرته لا يعجزها شيء.

ثم تأمل –قارئي الكريم- هذا الدعاء العجيب: *﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾*. لم يُطِل نوح عليه السلام في الشكوى، ولم يُكثِر من وصف ما أصابه، ولم يعدد صور الأذى التي لقيها، وإنما لخَّص الموقف كله في كلمتين: *﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾*. إنه اعتراف صادق بالعجز البشري، لا عجزًا عن أداء الواجب، فقد أدى رسالته كاملة، وإنما عجز عن تحقيق الهداية بقوته البشرية، لأن الهداية والنصر بيد الله وحده.

وهنا تتجلّى حقيقة عظيمة يغفل عنها كثير من الناس، وهي أن الدعاء لا يكون بديلًا عن العمل، وإنما يأتي بعد استفراغ الوُسع، وبذل الطاقة، والأخذ بالأسباب. فلم يدعُ سیدنا نوح(ع) ربه في أول الطريق، وإنما دعاه بعدما استنفد كل ما يستطيع، فصار الدعاء تتويجًا للجهاد، لا هروبًا منه، واعتمادًا على الله، لا تخلِّيًا عن المسؤولية.

ولذلك كان الدعاء في المنظور القرآني من أعظم أسلحة المؤمن، لأنه يربط المحدود بالمطلق، والضعيف بالقوي، والعاجز بالقادر، والمغلوب بمن لا يُغلب. ولهذا كان الأنبياء، مع عظيم مكانتهم، أكثر الناس دعاءً، فعن الإمامِ الرِّضا (ع): "عَلَيكُم بِسِلاحِ الأنبِياءِ. فَقيلَ: وما سِلاحُ الأنبِياءِ؟ قالَ: الدُّعاءُ" لأنهم (ع) أعرف الخلق بأن القوة الحقيقية ليست فيما يملكه الإنسان، وإنما فيما يفتحه الله له من أبواب تأييده ونصره.

وقدجاءت الأحاديث الشريفة تؤكد هذا المعنى، فقد رُوي عن رسول الله (ص) أنه قال: *"لا يَرُدُّ القَضَاءَ إلَّا الدُّعاء"*. وعنه (ص) أنه قال: *"إنَّ الحَذَرَ لا يُنجي مِنَ القَدَرِ، وَلكِن يُنجِي مِنَ القَدَرِ الدُّعاءُ"*. وقد فهم العلماء من ذلك أن الدعاء نفسه داخل في قضاء الله وقدره، فالله سبحانه قدَّر البلاء، وقدَّر معه الدعاء الذي يرفعه، كما قدَّر المرض، وقدَّر معه الدواء الذي يشفيه. فلا تعارض بين الإيمان بالقَدَر، وبين الإلحاح في الدعاء، بل الدعاء من أعظم مظاهر الإيمان بالقَدَر، لأن المؤمن يعلم أن الله هو الذي يملك تغيير الأحوال، وتحويل الضعف إلى قوة، والهزيمة إلى نصر.

ولهذا كان أهل المعرفة بالله يوقنون أن الدعاء قد يغيِّر مجرى الأحداث كلها، لأنه إعلان كامل عن الافتقار إلى الله، وانقطاع القلب إليه، وتسليم الأمر كله بين يديه، فكم من أمة ضعيفة نصرها الله بعد أن لجأت إليه، وكم من طاغية ظن أن ملكه قد استقر، فإذا به يسقط في لحظة لم تكن تخطر له على بال.

ومن اللافت أن نوحًا لم يقل: فانتصر لي، وإنما قال:*﴿فَانْتَصِرْ﴾*، لأن القضية ليست  قضية شخص، وإنما قضية دعوة، وقضية حق، وقضية رسالة. فهو لا يطلب انتقامًا لنفسه، وإنما يسأل الله أن ينتصر لدينه، ولمشروعه، وللحق الذي أرسله به. وهكذا ينبغي أن يكون دعاء المؤمن، يتجاوز همومه الشخصية إلى هموم الأمة، وإلى نصرة دين الله، وإعلاء كلمته.

وبالفعل فقد استجاب الله لنوح (ع) دون فاصل طويل، فقال سبحانه: *﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾*. فكأن السماء كانت تنتظر هذا الدعاء الصادق، وهذا الافتقار الكامل، حتى تنزل أوامر الله بتغيير مجرى التاريخ. ولم يحتج الله إلى جيوش جرارة، ولا إلى أسباب يعجز البشر عن تصورها، وإنما جعل الماء، الذي هو أصل الحياة، وسيلةً لهلاك الظالمين، ليبقى المؤمن على يقين بأن الله ينصر أولياءه بما يشاء، وكيف يشاء، ومتى يشاء.

وما أحوج المؤمنين اليوم إلى استعادة هذا المعنى، ففي زمن تتكالب فيه قوى الظلم، وتشتد فيه المحن، وتضيق فيه السبل، قد يظن البعض منا أن أبواب النصر قد أغلقت، وأن الموازين لا يمكن أن تتغير. لكن القرآن يعلمنا أن هناك بابًا لا يُغلق، هو باب الدعاء، وأن المؤمن لا يجوز له أن يستصغر أثره، لأن الدعاء ليس مجرد عبادة، بل هو إعلان دائم بأن القوة كلها لله، وأن النصر من عنده وحده، وأن من توكل عليه كفاه، ومن اعتصم به هداه، ومن لجأ إليه لم يخيِّبه.

captcha